إذن فليس عجيباً أن أقول أنني خلال تلك الفترة كنتُ سعيدة ! ولم يخطر ببالي أبداً أن الفقر أحد أنواع الخيبة بل على العكس من ذلك تماماً فقد كنت أحاول أن افتش عن الطاقات الروحية الكامنة في وجودي لاستثمرها في عمل كل ما هو صالح وكل ما هو خير فما دمت قد افتقدت المواد الزائلة التي أستند إليها في مسيرة الحياة فقد كان عليّ أن أسند خطواتي على دعائم جوهرية ثابتة منطلقة من المثل البناءة والمفاهيم الخلاقة ، وهذه المثل وهذه المفاهيم هي وحدها الكفيلة ببناء شخصية الانسان وصقل أبعاد وجوده في الحياة ، ومن هنا عرفت معنى الفقر ومعنى الغنى ، عرفت أن الفقير هو ذلك الذي يتأرجح كيانه الاجتماعي على كفة ميزان المادة فهو يرتفع مع ارتفاع أرقام ما يملك وهو ينزل مع هبوط العدد في رصيده الخاص ، ولهذا فهو فقير ! فقير إلى الدنانير التي تستند وجوده فقير إلى العمارات التي تشير إليه ، فقير إلى الأثاث والرياش الذي يحببه إلى الناس ويشجعهم على الالتفات حلوه ، أنه فقير إلى المادة لأنها عنوان عزه وحريص عليها لأنها محور تبادر وجوده ، وهو يخشى من زوالها لأن زوالها يعني زواله هو ، أوليس هذا هو الفقير بعينه ؟ ولما كنت أعرف من الفقر معناه الحقيقي فقد كان من حقي أن لا أدع للفاقة المالية مجالًا لأن تسمني بسمة الضعف أو الحيرة أو تلون نظرتي إلى الحياة بمنظار الحسرة والحرمان كنت خلال تلك
المجموعة القصصية الكاملة — صفحة 270
مساهمون: الشهيدة بنت الهدى
ص٢٧٠