فكان لا بدّ من الحفاظ على هذه الحالة بأيّ ثمن ، لذا فإنّ وصول المسيرة سالمة إلى كربلاء من دون تعرّض السلطة لها يعتبر كسباً كبيراً للروح الثوريّة الإسلاميّة وخسارةً كبيرةً للسلطة بكلّ ما تملك من كبرياء وطغيان .
2 - كان ( رحمة الله ) يدرك أنّ السلطة سوف تتّخذ أقسى الإجراءات القمعيّة ضدّ الثوّار ، وسوف تسفك المزيد من الدماء وتزهق الكثير من الأرواح إذا تُركت الأُمور على ما هي عليه ، فكان من الطبيعي أن يبذل ( رحمة الله ) كلّ ما باستطاعته لإنقاذ الدماء والأرواح والاقتصار على قدر محدود من الضحايا بحيث لا يؤثّر الحدث على المعنويّات العالية للثوّار ، وهذا بخلاف ما لو أقدمت السلطة على مجزرة رهيبة ، خاصّة وأنّها كانت قد حشدت الكثير من الدبّابات والمدرّعات ، فإنّ ذلك سيؤدّي إلى تدهور المعنويّات بشكل كبير ، لأنّ المعركة غير متكافئة من ناحية السلاح والمعدّات .
ومهما يكن من أمر ، فإنّ السيّد الصدر ( رحمة الله ) وجد نفسه محرجاً في حال امتناعه عن إرسال وفد بعد أن استجاب السيّد الخوئي ( رحمة الله ) لطلب السلطة مرسلًا وفداً ضمّ عدداً من العلماء منهم نجله السيّد جمال الخوئي ( رحمة الله ) ليقوموا بتهدئة الثوّار « 1 » .
السيّد الصدر ( رحمة الله ) يرسل وفداً إلى الثوّار
بعد أن طلب منه الركابي ذلك ، اجتمع السيّد الصدر ( رحمة الله ) ببعض طلّابه ومنهم السيّد محمّد باقر الحكيم ( رحمة الله ) ، واتّخذ في الاجتماع قراراً - بعد استشارتهم في الأمر - بإرسال وفدٍ يمثّله إلى المتظاهرين في خان النخيلة برئاسة السيّد محمّد باقر الحكيم ( رحمة الله ) ، وقد ضمّ الوفد أخاه السيّد عبد العزيز الحكيم والسيّد محمود الخطيب « 2 » .
وكان السيّد محمّد باقر الحكيم ( رحمة الله ) يرى أنّ عدم الاستجابة أفضل لأنّ السلطة لن تفي بتعهّداتها ، إلّا أنّه مع ذلك استجاب لرغبة السيّد الصدر ( رحمة الله ) ، وقد استأذنه بالاستخارة فأذن له ، فاستخار مرّتين على رفض الذهاب فكانت الاستخارة نهياً « 3 » ، فنزل حينها عند رغبة السيّد الصدر ( رحمة الله ) . وقد أعلم السيّد
الصدر ( رحمة الله ) السيّد الخوئي ( رحمة الله ) بالفكرة بواسطة نجله السيّد جمال الدين الخوئي .
وضع السيّد الحكيم ( رحمة الله ) خطّة في ذهنه ، وكانت المعركة التي يدور حولها الصراع هي استمرار الشعائر الحسينيّة كما تريد الجماهير أو منعها كما تريد الحكومة . . فطلب من الحكومة أن يتلقّى الطلب رسميّاً ، وأن تتعهّد رسميّاً بالانسحاب عن قرارها بمنع الشعائر لكي ينقل ذلك إلى الجماهير المنتفضة . وعلى إثر ذلك اجتمع بالمحافظ جاسم الركابي - وكان أوّل اجتماع له به - واستمع إليه رسميّاً يعلن التراجع عن موقف الحكومة .
وعلى هذا الأساس ، ذهب السيّد الحكيم ( رحمة الله ) إلى خان النخيلة في ليلة ظلماء ممطرة وعاصفة .
هامش
( 1 ) انظر لا على سبيل الحصر : شهيد الأمّة وشاهدها 79 : 2 - 80
( 2 ) لم يرد اسم السيّد الخطيب في ما هو منشور ، وقد ذكر لي السيّد الخطيب ذلك شفاهاً وكتباً
( 3 ) الإمام محمّد باقر الصدر ، معايشة من قريب : 101 ، نقلًا عن تعليقة السيّد محمّد باقر الحكيم ( رحمة الله ) على كتاب ( سنوات المحنة وأيّام الحصار ) ؛ وفي : ملامح من السيرة الذاتيّة ( محدود الانتشار ) أنّه استخار على الخروج فكانت جيّدة لا أنّه استخار على عدم الذهاب فكانت نهياً ، وربّما استخار على كلا الأمرين فإنّه من الأمور المتعارفة .