العطّارين في سوق العمارة بأحد الزوّار إلى بيت السيّد الصدر ( رحمة الله ) « 1 » .
ولمّا طُرق باب المنزل وفتح الحاج عبّاس الباب - وكان الحاج عبّاس يقوم ببعض الخدمات كتحضير الشاي للضيوف ، أو توفير بعض احتياجات المنزل - ، إذا به برجل كبير السنّ يسأل : « هل هذا منزل الشيخ محّمد باقر الصدر ؟ » ، فقال له الحاج عبّاس : « نعم » . فقال : « هل يمكن أن ألتقي بسماحة الشيخ الصدر ؟ » . فقاله له : « نعم ، تفضّل اجلس ، سوف أخبر السيدّ بذلك وأستأذنه لكم » .
وكان السيّد الصدر ( رحمة الله ) لا ينام الظهيرة رغم الجو الحار الذي ينهك القوى ، فقد كان من عادته أن يصلّي الظهر والعصر ثم يتغدّى وبعد ذلك يذهب إلى مكتبته يطالع أو يكتب حتّى المساء تقريباً .
وكان هذا حاله دائماً وفي كلّ يوم إلّا في حالات استثنائيّة قليلة ، وكان الحاج عبّاس يعرف ذلك ، فصعد إلى غرفة المكتبة وأخبره بأنّ ضيفاً من مصر يطلب اللقاء به ، فاستجاب السيّد ( رحمة الله ) وأذن له بزيارته ، وكانت هذه الزيارة هي الأولى له ، ولم يكن رأى السيّد الصدر ( رحمة الله ) قبل ذلك .
لم يكن أحد يعرف أنّ الزائر هو الدكتور محمود شوقي الفنجري « 2 » رغم أنّه كان قد بعث إلى السيّد الصدر ( رحمة الله ) رسائل عديدة عبّر فيها عن إعجابه الشديد بمؤلّفاته : ( فلسفتنا ) و ( اقتصادنا ) ، وكانت هذه الرسائل قمّة في الثناء والإطراء .
صعد الدكتور الفنجري إلى الطابق الأعلى حيث المكتبة ، وكان السيّد جالساً في الزاوية التي اعتاد الجلوس فيها .
وقف الدكتور الفنجري عند باب الغرفة والدهشة ملأت كيانه كلّه ، وأذهلته حتّى عن التحيّة ، فخاطب السيّد الصدر ( رحمة الله ) : « بالله عليك أنت الشيخ محمّد باقر الصدر ؟ » .
فأجابه السيّد ( رحمة الله ) والابتسامة تعلو وجهه : « نعم ، تفضّل ، أهلًا وسهلًا » .
فقال الفنجري : « مش معقول ! ! » .
وكرّر سؤاله مرّة ثانية وثالثة ، ويتكرّر الجواب نفسه . وأراد أن يقطع الشكّ باليقين فقال : « أنت الشيخ الصدر مؤلّف كتاب اقتصادنا وفلسفتنا ؟ » .
فقال السيّد الصدر ( رحمة الله ) : « نعم ، تفضّل » .
عندها دخل الدكتور الفنجري إلى المكتبة محيّياً السيّد الصدر ( رحمة الله ) بأجمل التحيّات ، ويردّ عليه
هامش
( 1 ) مقابلة ( 1 ) مع الشيخ محمّد رضا النعماني ( * )
( 2 ) الدكتور الفنجري يحمل شهادة الدكتوراه في الاقتصاد وكان مستشاراً اقتصاديّاً للرئيس المصري أنور السادات وأستاذاً في عدد من الجامعات المصريّة والعالميّة ( شهيد الأمّة وشاهدها 90 : 1 ) .