السيّد الصدر ( رحمة الله ) بأرقّ منها . وبعدما هدأت نفس الدكتور واطمأنّ قلبه وأيقن أنّ هذا الذي أمامه هو ذلك ( الصدر ) الذي يريد اللقاء به ، قال : « جئت مدعوّاً لحضور مؤتمر في بغداد يعقد من قبل حكومة بغداد ، وكنتُ في الطائرة أفكّر في أن أستغلّ هذه الفرصة الوحيدة التي يمكن أن ألتقي فيها بفضيلتكم ، وكنت أقول لنفسي كم يجب عليّ أن أنتظر حتّى أحصل على موعد خاص للقائكم ، بل هل يمكن أن يتحقّق ذلك ؟ أمّا أن آتي إلى النجف وألتقي بكم بهذه البساطة وخلال عشرة دقائق ، فهذا ما لم يكن يخطر ببالي » .
هنا حدّثه السيّد الصدر ( رحمة الله ) عن حياة الطلبة والعلماء في النجف الأشرف ، وما تتّسم به من بساطة وتواضع وزهد في المظاهر والزخارف ، وقال : « أنا أحد هؤلاء الطلبة ، وهذه هي حياتنا » .
[ وأثناء الحديث ذكر الدكتور الفنجري أنّه في طريقه إلى السعوديّة للمشاركة في تأسيس البنك اللاربوي ، وأنّه اشترط على الحكومتين السعوديّة والمصريّة دعوة الشيخ محمّد باقر الصدر الذي تعرّف عليه من خلال مؤلّفاته ] « 1 » .
وقد حاول الدكتور الفنجري أن يتعرّف على الوضع العلمي والدراسي للسيّد الصدر ( رحمة الله ) ، وفي أيّة جامعة من جامعات العالم تلقّى دراساته وعلومه ، وكيف وصل إلى هذا المستوى العلمي الرفيع فقال : « سماحة الشيخ ، إنّ كتبكم تعتبر آية في عمقها ودقّتها العلميّة ، وفي محتواها الفكري ، فقد نالت إعجابي وإعجاب عددٍ كبير من أصدقائي الأساتذة ، ومنهم المفكّر الفرنسي روجيه غارودي الذي يرغب هو أيضاً بزيارتكم ، فأين تلقّيتم دراساتكم ؟ وفي أيّ جامعة من جامعات العالم ؟ » .
فأجاب السيّد الصدر ( رحمة الله ) : « لم أدرس في أيّ جامعة من جامعات العالم التي تقصدها ، لا في العراق ولا في غيره ، بل لم أخرج من العراق في حياتي إلّا مرّتين ، مرّة إلى حجّ بيت الله الحرام ، والأخرى إلى لبنان لزيارة بعض أرحامنا هناك » « 2 » .
الفنجري : « إذن أين درستم ؟ »
السيّد الصدر : « في المساجد ، الطلبة والعلماء هنا في النجف يدرسون في المساجد » .
الفنجري - وقد أصيب بالذهول والحيرة - : « والله ، إنّ مساجد النجف أفضل - ألف مرّة - من جامعات أوروبا كلّها » ، ثمّ قال : « لقد أطلعت صديقي المفكّر الفرنسي روجيه غارودي على مضمون كتبكم ، وأعطيته صورة عن أفكاركم في كتابَي اقتصادنا وفلسفتنا ، فنالت إعجابه ووقع تحت تأثيرها وهو يرغب أن يلتقي بكم ويتعرّف عليكم ، كما أنّ لديه مناقشات أو استفسارات عن بعض الأفكار فيها ، فهل يمكن تحديد وقت لذلك ؟ » .
السيّد الصدر : « كما ترى الوقت مفتوح ، ومتى ما أحبّ أو أتيحت له الفرصة فأهلًا به » .
الفنجري : « سوف أنقل له جوابكم » .
ثمّ اقترح الدكتور الفنجري على السيّد الصدر ( رحمة الله ) أن يسعى إلى ترجمة كتاب ( الأسس المنطقيّة
هامش
( 1 ) ما بين [ ] من : مقابلة ( 2 ) مع الشيخ محيي الدين المازندراني ( * )
( 2 ) الصحيح أنّ السيّد الصدر ( رحمة الله ) كان قد سافر حتّى هذا التاريخ ثلاث مرّات إلى بلدين ، مرّة إلى لبنان في أيّار / 1962 م ومرّة إلى الحجّ في آذار / 1968 م ومرّة ثانية إلى لبنان في حزيران / 1969 م . ولعلّه قال : « لم أخرج من العراق في حياتي إلّا إلى مكانين » .