لك عندي في الحالين منجىً من اللائم وسنّة للمقتدي ، فإن تجزع فعلى مثل أبي عز الدين يجب الجزع ، وإن تصبر فبمثلك يليق الصبر .
فكن - يا فديتك - ما أنت كائن في مواجهة هذه القارعة ، أمّا أنا فليتني كنت فداء الأخوين البطلين يخرّ وأحدهما إثر أخيه ، والعلمين المنطويين لا يكاد يلفّ أوّلهما حتّى يقفوه ثانيه ، ليتني متُّ قبل هذا وكنتُ نسياً منسيّاً .
وبماذا أحدّثك عن أبي عزّ الدين ؟ بطل العلم والأخلاق والفضيلة ، وأيُّ خصبٍ فيه لا تشهده مهتزّاً رابياً مخضلًّا دانياً يؤتي الثمار ؟ وأيّة لحظة منه لا تزحم أختها ، بل يبسم إليك من مناقب نفسه ، وجوامع خصاله .
نعم ؛ أنا محدّثك عن أمر لم تشهده يغنيك عن غيره ولا يغني غيره عنه :
رأيته يخوض المعركة تطيش الأحلام وتذهل الألباب وتُذهب العقول ، فكان ينتقل فيها من نصرٍ رائع إلى نصرٍ أروع ، بسّاماً لم يتغضّن له جبين ، وضّاحاً لم تغمّ له طلعة ، مطمئنّاً لم تزغ له نظرة ، رابط الجأش شديد المراس تزول الجبال ولا يزوال .
رأيته يقهر الموت في معركة جسمه وروحه ، ويكرهه على الانحناء في طريقه إليه ، ولا أعرف هذه القدرة القادرة إلّا لنفس راضٍ مرتاض تسمو روحه وتسمو حتّى تتحرّر من أسر جسده ، متعالية على أعراض ضعفه ، كما تتعالى على ضعف نزواته .
رأيته والداء يغير على جسمه عنيفاً منكراً هائلًا فلا يأبه به ، حتّى كأنّ جسمه ليس منه وكأنّ الأمر لا يعنيه ، فهو مدبر عن آلامه مقبلٌ على ربّه ، يرجو ما أعدّه الله للصابرين من أمثاله ، يهشّ لزوّاره ويتحدّث إليهم بما يعنيهم وبما يسرّهم ، حتّى إذا حانت اللحظة الحاسمة وهدأ الجسد المجهد من حركة الصداع ، ألفيته يختار من الموت ما يشاء من ميتة الأنبياء والأولياء .
في الأرض جوهر جسمه ال * الفاني وفي الملكوت عقله
ألفيت الموت نفسه يفتح بين يديه باب الحياة كما يشاء ، ذلك هو فعل الصبر صبركم آل ياسين المحتسبين ، ينتصر هذا الانتصار عارفٌ مؤمنٌ يحيى بروحه لا بجسده ، ويعيش لآخرته لا لدنياه .
هذا هو أخوك - يا فديتكم - ألا ترضيك حتّى تسلّيك روحه التي لم ينل منها الموت . ! ألا تهزّك فتعزّيك غرُّ معانيه التي زفّته إلى الغرفة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً .
علم الله أنّي كنتُ أتوقّع أن يفتك بي مصابه الفتكة تسيح لها قدماي ، حتّى إذا رأيته ونفسه الطاهرة تفيض على يدي ، فإذا هي تفيض عليّ من صبره البطولي صبراً ومن حياته الحق عزاءً .
نبعتان للعزاء زخّارتان : إحداهما تتسلسل من ذاتك كوثريّة والثانية تترقرق في نفس أخيك نميريّة فاغرف من أيّهما شئت ، وأفض على الأمّة من سلامتك الضوء والجمال .
والحمد لله الذي جمع فيك ما تفرّق في صنويك العظيمين من خصائص وهبات ، وكأنّ الله يوم برأكم وقدّر للأمّة أن ترى منك وتراً ما قد رأته منهما شفعاً ، وذلك ما يجب أن يكون عزاءك بمقدار ما هو [ عزاؤنا ] .
فكن - كما شاء - العزاء المذخور لنفسك ولهذه الأمّة الموصولة الهدى والصبر بخيوطٍ من آل ياسين وهداهم .
بقيت أمور في هوامش المصاب تحزُّ في نفسي حزّاً شديداً ، في طليعتها أنّنا لم نستطع كشف [ . . ] ، لا