ظلّ هذا المبعوث ساكتاً ، ولم يتكلّم بشيء ، وبعد فترة عاد إلى الحديث ، ففاوض السيّد الشهيد - رحمه الله - على الشروط متنازلًا عنها الواحد تلو الآخر ، والسيّد الشهيد مصرّ على موقفه ، بعدها قال المبعوث : سيّدنا ، بقي شيء لابدّ منه ، كما أنّه ليس من حقّي أن أتنازل عنه مطلقاً .
السيّد الشهيد : ما هو ؟
المبعوث : أن توافق على إجراء مقابلة مع صحيفة أجنبية ، وإن شئت أن تكتب الأسئلة بنفسك فلا مانع - حتّى لو كانت فقهيّة - ولكن بشرط أن تؤكّد في المقابلة أن لا عداء بينكم وبين السلطة أو تشيد ببعض إنجازاتنا كمحو الامّية ، أو تأميم النفط ، أو منح الأكراد الحكم الذاتي ، وفي مقابل ذلك نتعهّد بتنفيذ كلّ التعهّدات السابقة .
السيّد الشهيد : وإذا لم أفعل ؟
المبعوث : الإعدام ، بشرفي لا حلّ غيره .
السيّد الشهيد : أنا مستعدّ ، ولا كلام آخر عندي .
وتحيّر المبعوث ، وظلّ ساكتاً فترة طويلة ، ثمّ قام وودّع السيّد الشهيد ، وجرت دموعه على وجهه ، وقال بلهجته العامّية : ( حيف مثلك تأكله الگاع - أي الأرض - حيف ، والله حيف ) .
وكانت هذه المفاوضات قد جرت في آخر شهر من أشهر الحجز .
بعد أن انتهى هذا اللقاء قلت للسيّد الشهيد - رحمه الله - وكانت أخته الشهيدة بنت الهدى حاضرة : إنّ الشرط الأخير لا يعتبر مهمّاً ، ولا يُفسّر قبولكم به على أنّه تنازل ، ثمّ مَن لا يعذركم وأنتم تعيشون هذه الظروف القاسية وقد تخلّى عنكم الجميع . إنّ حياتكم أهمّ للإسلام وللعمل الإسلامي في العراق ، وإذا كان الحجز قد كشف لكم عن حقائق هامّة ، وغيّر من تصوّراتكم عن بعض القضايا ، فمن سيستفيد
شهيد الأمة وشاهدها — صفحة 203
مساهمون: الشيخ محمد رضا النعماني
ص٢٠٣