وهذا الفصل الحاسم بين المذهب والعلم ، لا يمنع في بعض الأحيان - كما سبق منا الإشارة إليه في بحث متقدم - من جعل المذهب إطاراً للعلم ، كما لو أخذنا القانون الحديدي للأجور في علم الاقتصاد السياسي ، لوجدنا أن شرط صدقه كقانون ذي مضمون علمي ، يتوقف على أن يكون المجتمع الذي تتناوله حقائق هذا القانون مجتمعاً رأسمالياً يحكمه مبدأ الحرية الاقتصادية الرأسمالية ، ولا يمكن أن يصدق في مجتمع تفرض فيه الدولة تحديداً عالياً للأجور . ومعنى ذلك ، ان الرأسمالية هي الإطار المذهبي العام لهذا القانون العلمي .
والخلاصة ، ان وظيفة المذهب الاقتصادي هي وضع الحلول لمشاكل الحياة الاقتصادية ، ترتبط بفكرته عن العدالة ، وهذا يجعلنا نجزم بوجود مذهب اقتصادي في الإسلام ، ذلك ان الإسلام الذي يعتبر هذا المذهب جزءاً منه ، ما هو إلا نظام ذو نظرة شاملة مستوعبة لكل جانب من جوانب الحياة الإنسانية ، لم يغفل في تشريعاته الثابتة والمتحركة حتى أدق الأمور واتفهها كأرش الخدش مثلًا ، وما كان الأمر فيه كذلك ، لا يعقل ان يهمل الجانب الاقتصادي من حياة الأمة على أهميته وخطورته دون أن ينظمه بشكل يتوافق مع قيمه وأفكاره ومبادئ العدالة والخير والحق ، وهل يعقل ان يحدد الإسلام الغرامة التي من حقك الحصول عليها إذا خدشك شخص خدشاً بسيطاً ولا يحدد حقك في الثروة المنتجة ، وتنظيم طريقة اتفاقك مع عمالك إذ احتجت إليهم ، أو حقك حين تحيي أرضاً أو تستخرج معدناً ، أو تستولي على غابة ؟ !
إن مجرد الالتفات إلى فلسفة الحلال والحرام في الإسلام ، يورث الجزم باهتمام الإسلام بالجانب الاقتصادي من حياة الأمة ،
اقتصادنا ( تلخيص وتوضيح ) — صفحة 77
مساهمون: الشيخ محمد جعفر شمس الدين
ص٧٧