بالإضافة إلى كتب اللغة والأدب والسير وغيرها ، ونسق فيما بينها تنسيقا
لطيفا ، وعرضها عرضا جميلا ، وبأسلوب المحدثين كما هو مشهور عنه ( 1 ) .
فإنه أمسى المرجع الذي اعتمدت على نقولاته وتراجمه معظم المراجع
والكتب التي تلته ، كما فعل ابن الأثير ، وابن خلدون ، وابن مسكويه ،
والمسعودي ، وغيرهم .
وهكذا نرى بوضوح جلي الامتداد المتصاعد في تركيز القاعدة
المفتعلة في بناء هيكلية كتابة التأريخ الاسلامي ، وضمن الأطر التي أقامتها
السياسات السالفة نئيا به عن مواطنه الحقيقية ، ومصادره السليمة ، فبدا
- رغم سعته - قاصرا عن ترجمة الدور المناط به ، والمتوقع منه باعتماد
هامش
( 1 ) ان ما ذهب إليه الطبري من أنه اعتمد أسلوب المحدثين
في ايراده للروايات
والاخبار مع أسانيدها ، ودون أي بحث أو تمحيص جعله في موضع نقد وتشكيك
من قبل الباحثين والدارسين ، لان ايراد هذه الاحداث بهذه الطريقة المغلوطة
يثير في
الأذهان سريانها على عموم الكتاب ومواده ، ولأنها خلاف ما ينبغي ان يكون عليه
عمل المؤرخ البصير الذي يتصدى لتأليف مرجع يتعرض فيه إلى أهم حلقات
التأريخ الاسلامي ، وتفرعاتها المختلفة .
وإذ تنصل الطبري من تبعة ما أورده من أخبار ، وحمل ناقليها مسؤولية ذلك ،
فإنه قد أتي بأسوأ من فعله الأول ، إذ لا يسع عموم القراء ادراك صواب الاخبار
من
عدمه ، وضعف الرواي من وثاقته ، وكان الأولى به ان يتصدى هو لتحقيق ذلك ،
طالما وقد قيل عنه انه كان ممعنا في التثقيف والتدقيق ، ومستجليا للغوامض ،
ومتبحرا في الكثير من العلوم والمذاهب ، حتى قيل إنه أفتى الناس ببغداد عشر
سنين . . . فأين هذا من ذاك ؟ !
بل والأنكى من ذلك أن يأتي من ينقل الكثير من الاخبار - صحيحها
وموضوعها - عن هذا المصدر دون تعرض منه لرواتها وناقليها ، مكتفيا بأنه
نقلها
عن الطبري فحسب ، فتضاف الرواية إلى الطبري لا إلى الراوي ، ويؤخذ بها على أنها
من مصدر معتبر موثوق ، لا ان راويها - مثلا - متروك مطعون بروايته كما في
حال سيف بن عميره وغيره .