وإذا تبيّن هذا المثال يتّضح بطلان التسلسل ، فإنّ كلّ شيء لو كان وجوده مشروطاً بوجود شيء سابق عليه لكان اللازم منه أن لا يوجد شيء أصلًا ، فإذا رأينا أشياء موجودة ، فنحكم بأنّ وجود شيء على الأقلّ غير مشروط بوجود غيره ، وهو المطلوب .
قال الحكيم السبزواري : « بديهة العقل تحكم بأنّه ما لم يوجد في تلك السلسلة شيء لم يوجد شيء قبله ، ولا يوجد شيء بعده » « 1 » .
وقد قرّر صدر المتألّهين برهان الفارابي بالشكل التالي : « وهو أنّه إذا كان ما من واحد من آحاد السلسلة الذاهبة بالترتيب بالفعل لا إلى نهاية إلّا وهو كالواحد في أنّه ليس يوجد إلّا ويوجد آخر وراءه من قبل ، كانت الآحاد اللامتناهية بأسرها يصدق عليها أنّها لا تدخل في الوجود ما لم يكن شيء من ورائها موجوداً من قبل ؛ فإذن بداهة العقل قاضية بأنّه من أين يوجد في تلك السلسلة شيء حتّى يوجد شيء ما بعده » « 2 » .
وهناك براهين أخرى لم يتعرّض لها المصنّف « 3 » لأنّها لا تخلو من مناقشة بحسب تعبيره ( قدس سره ) .
والشيخ مصباح اليزدي ذكر في تعليقته على نهاية الحكمة « أنّ البراهين التي أقيمت على استحالة التسلسل في قسمين : منها ما يختصّ بتسلسل العلل ، ومنها ما يعمّ العلل والمعاليل وغيرها ، كما أنّ بعضها يختصّ بالأبعاد كالبرهان السلمي وبرهان المسامتة ، وهذان البرهانان وبرهان التطبيق تتشكّل من مقدّمات رياضيّة ، ويرد عليها أنّ الأحكام الرياضيّة تختصّ بالمقادير المتناهية ، فلا يصحّ تعميمها إلى غير المتناهي حتّى تترتّب عليها توالٍ فاسدة مذكورة في
هامش
( 1 ) منظومة الحكمة : ج 2 ، ص 456 .
( 2 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة : ج 2 ، ص 166 .
( 3 ) نتعرّض لذكر هذه البراهين في البحوث التفصيليّة في نهاية البحث .