أمّا الوجوب بالقياس فهو لا يختصّ بالمعلول ، بل يعمّ العلّة أيضاً ، أي : وجوب المعلول بالقياس إلى العلّة ، ووجوب العلّة بالقياس إلى المعلول ؛ لأنّه وجوب مقاس إلى الطرفين ، لا من طرف واحد .
وبعبارة أخرى : إنّ الوجوب الغيري حال المعلول في نفسه ، مع قطع النظر عن اعتبار العلّة ، وإن كان من إعطاء العلّة ؛ ولذا لا يحتاج في تصوّره إلى تصوّر العلّة ، أمّا الوجوب بالقياس فهو حال المعلول باعتبار قياسه إلى علّته ، فما لم يعتبر العقل العلّة - بما هي علّة - ولم يقس إليها المعلول ، لم يحكم بوجوبه عند وجودها .
الثاني : الوجوب الغيري لا يتحقّق إلّا فيما إذا كان أحد الشيئين معلولًا ، والآخر علّة له ، أمّا الوجوب بالقياس فهو يتحقّق حتّى فيما إذا كانا معلولي علّة ثالثة ، كما تقدّم في الفصل الثاني من المرحلة الرابعة ، حيث قال في ضابطة الوجوب بالقياس : « والضابط فيه : أن تكون بين المقيس والمقيس إليه علّية ومعلوليّة ، أو يكونا معلولي علّة واحدة ؛ إذ لولا رابطة العلّية بينهما لم يتوقّف أحدهما على الآخر ، فلم يجب عند ثبوت أحدهما ثبوت الآخر » « 1 » .
الأمر الثاني : أنّ الوجوب بالقياس - أي : وجوب وجود المعلول عند وجود علّته التامّة - لا ربط له بمفهوم العلّة والمعلول ، وإنّما يرتبط بذات العلّة وذات المعلول ؛ لأنّ منشأ الأثر في الخارج ليس المفهوم ، وإنّما ذات العلّة « 2 » .
الأمر الثالث : أنّ الوجوب في هذه المسألة - وهي وجوب وجود المعلول عند وجود علّته التامّة - بديهيّ ، أو شبه بديهي ، والسبب في كون هذا الوجوب بديهيّاً هو لأجل أنّ معنى احتياج المعلول إلى العلّة يرجع إلى الرابطة بين العلّة
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة : ص 64 ، الفصل الثاني من المرحلة الرابعة .
( 2 ) انظر : رحيق مختوم : ج 2 من شرح الجزء الأوّل ، ص 360 .