وإذ كانت الموجودات الممكنة - بما لها من النظام الأحسن - في مرتبة وجوداتها العينيّة علما فعليّا للواجب تعالى فما فيها من الإيجاب قضاء منه تعالى .
وفوقه العلم الذاتيّ منه المنكشف له به كلّ شيء على ما هو عليه في الأعيان على التفصيل بنحو أعلى وأشرف .
فالقضاء قضاءان : قضاء ذاتيّ خارج من العالم ، وقضاء فعليّ داخل فيه .
ومن هنا يظهر ضعف ما نسب إلى المشهور [ 1 ] من أنّ القضاء هو ما عند المفارقات العقليّة من العلم بالموجودات الممكنة بما لها من النظام .
وكذا ما ذهب إليه صدر المتألّهين رحمه اللّه ، أنّ القضاء هو العلم الذاتيّ المتعلّق بتفاصيل الخلقة ، قال في الأسفار : « وأمّا القضاء فهو عندهم عبارة عن وجود الصور العقليّة لجميع الموجودات ، فائضة عنه تعالى على سبيل الإبداع دفعة بلا زمان ، لكونها عندهم من جملة العالم ومن أفعال اللّه المباينة ذواتها لذاته ، وعندنا صور علميّة لازمة لذاته بلا جعل ولا تأثير وتأثّر ، وليست من أجزاء العالم ، إذ ليست لها حيثيّة عدميّة ولا إمكانات واقعيّة . فالقضاء الربّانيّ - وهو صورة علم اللّه - قديم بالذات باق ببقاء اللّه » [ 2 ] - إنتهى .
وينبغي أن يحمل قوله : « صور علميّة لازمة لذاته » على العلم الذاتيّ الّذي لا ينفكّ عن الذات ، وإلّا فلو كانت لازمة خارجة كانت من العالم ولم تكن قديمة بالذات - كما صرّح بذلك - . على أنّها لو كانت حضوريّة انطبقت على قول أفلاطون في العلم ، وهو [ 3 ] لا يرتضيه ، ولو كانت حصوليّة انطبقت على قول المشّائين ، وهو [ 4 ] لا يرتضيه أيضا .
ووجه الضعف في القولين [ 5 ] أنّ صدق القضاء بمفهومه على إحدى المرتبتين من العلم - أعني العلم الذاتيّ والعلم الفعليّ - لا ينفي صدقه على الأخرى ، فالحقّ
هامش
( 1 ) نسب إليهم في الأسفار 6 : 291 - 292 .
( 2 ) راجع الأسفار 6 : 291 - 292 .
( 3 و 4 ) الضميران عائدان إلى صدر المتألّهين .
( 5 ) أي : قول المشهور وقول صدر المتألّهين .