وهذه الحدود جهات وجوديّة تلازمها سلوب كما تبيّن آنفا [ 1 ] ، ولها صور علميّة في نشأة المثال الّتي فوق نشأة المادّة تتقدّر بها صفات الأشياء وآثارها ، فلا سبيل لشيء منها إلّا إلى صفة أو أثر هداه إليه التقدير .
فإن قلت : لازم هذا البيان كون الإنسان مجبرا غير مختار في أفعاله .
قلت : كلّا ، فإنّ الاختيار أحد الشرائط الّتي يحدّ بها فعل الإنسان . وقد فصّلنا القول في دفع هذه الشبهة في مباحث الوجود [ 2 ] وفي مباحث العلّة والمعلول [ 3 ] .
فإن قلت : هلّا عمّمتم القول في القدر ، وهو ضرب الحدود للشيء من حيث صفاته وآثاره في علم سابق يتبعه العين حتّى يعمّ الماهيّات الإمكانيّة ، فإنّ الماهيّات أيضا حدود لموضوعاتها تتميّز من غيرها وتلازمها سلوب لا تتعدّاها .
وقد تقدّم أنّ كلّ ذي ماهيّة فهو ممكن [ 4 ] وأنّ الممكن مركّب الذات من الإيجاب والسلب [ 5 ] فيعمّ القدر كلّ ممكن ، سواء كان عقلا مجرّدا أو مثالا معلّقا أو طبيعة مادّيّة ، ويكون العلم السابق الّذي يتقدّر به الشيء علما ذاتيّا .
وبالجملة : يكون القدر بحسب العين هو التعيّن المنتزع من الوجود العينيّ ، والتقدير هو التعيين العلميّ الّذي يتبعه العين - كما أنّ المقضيّ هو الوجوب المنتزع من الوجود العينيّ ، والقضاء هو الإيجاب العلميّ الّذي يستتبعه - سواء كان من حيث الماهيّة والذات أو من حيث الصفات والآثار .
قلت : كون الماهيّة حدّا ذاتيّا للممكن لا ريب فيه ، لكنّهم راعوا في بحث القدر ظاهر مفهومه ، وهو الحدّ الّذي يلحق الشيء فيما هو موضوع له من الصفات والآثار دون أصل الذات ، فلا يعمّ ما وراء الطبائع الّتي لها تعلّق مّا بالمادّة .
وغرضهم من عقد هذا البحث بيان أنّ الممكن ليس مرخى العنان فيما يلحق به من الصفات والآثار مستقلّا عن الواجب تعالى فيما يتّصف به أو يفعل ، بل الأمر
هامش
( 1 ) راجع الفصل الرابع من هذه المرحلة .
( 2 ) راجع الفصل الخامس من المرحلة الرابعة .
( 3 ) راجع الفصل الثالث من المرحلة الثامنة .
( 4 ) راجع الفصل الأوّل من المرحلة الرابعة .
( 5 ) راجع الفصل الرابع من هذه المرحلة .