وإشكال رابع : وهو أنّ اللازم منه كون شيء واحد كلّيّا وجزئيّا معا ، وبطلانه ظاهر . بيان الملازمة : أنّ الإنسان المعقول - مثلا - من حيث تجويز العقل صدقه على كثيرين كلّيّ ، وهو بعينه من حيث كونه موجودا قائما بنفس واحدة شخصيّة يتميّز بها عن غيره جزئيّ ، فهو كلّيّ وجزئيّ معا .
وجه الاندفاع : أنّ الجهة مختلفة ، فالإنسان المعقول - مثلا - من حيث إنّه مقيس إلى الخارج كلّيّ ، ومن حيث إنّه كيف نفسانيّ قائم بالنفس غير مقيس إلى الخارج جزئيّ .
وإشكال خامس : وهو أنّا نتصوّر المحالات الذاتيّة ، كشريك البارئ وسلب الشيء عن نفسه ، واجتماع النقيضين وارتفاعهما ، فلو كانت الأشياء حاصلة بذواتها في الذهن استلزم ذلك ثبوت المحالات الذاتيّة .
وجه الاندفاع : أنّ الثابت في الذهن إنّما هو مفاهيمها بالحمل الأوّليّ لا مصاديقها بالحمل الشائع . فالمتصوّر من شريك البارئ هو شريك البارئ بالحمل الأوّليّ . وأمّا بالحمل الشائع فهو ممكن وكيف نفسانيّ معلول للبارئ مخلوق له .
الأمر الثاني : أنّ الوجود الذهنيّ لمّا كان لذاته مقيسا إلى الخارج كان بذاته حاكيا لما وراءه ، فامتنع أن يكون للشيء وجود ذهنيّ من دون أن يكون له وجود خارجيّ محقّق ، كالماهيّات الحقيقيّة المنتزعة من الوجود الخارجيّ ، أو مقدّر ، كالمفاهيم غير الماهويّة الّتي يتعمّلها الذهن بنوع من الاستمداد من معقولاته ، فيتصوّر مفهوم العدم - مثلا - ويقدّر له ثبوتا مّا يحكيه بما تصوّره من المفهوم .
وبالجملة : شأن الوجود الذهنيّ الحكاية لما وراءه من دون أن تترتّب آثار المحكيّ على الحاكي . ولا ينافي ذلك ترتّب آثار نفسه الخاصّة به من حيث إنّ له ماهيّة الكيف . وكذا لا ينافيه ما سيأتي [ 1 ] أنّ الصور العلميّة مطلقا مجرّدة عن المادّة ، فإنّ ترتّب آثار الكيف النفسانيّ وكذا التجرّد حكم الصور العلميّة في نفسها ، والحكاية وعدم ترتّب الآثار حكمها قياسا إلى الخارج ومن حيث كونها وجودا
هامش
( 1 ) في الفصل الأوّل من المرحلة الحادية عشرة .