واللذّة على أيّ حال [ 1 ] وجوديّة ، والألم عدميّ . يقابلها تقابل العدم والملكة [ 2 ] .
لا يقال [ 3 ] : لا ريب في أنّ الألم شرّ بالذات ، وإذ كان هو إدراك المنافي بما أنّه مناف كان أمرا وجوديّا ، لأنّ الإدراك أمر وجوديّ ، وبهذا ينفسخ قولهم :
« إنّ الشرّ عدم لا غير » .
لأنّه يقال [ 4 ] : وجود كلّ شيء هو نفس ذلك الشيء ، ذهنيّا كان أو خارجيّا ، فحضور أيّ أمر عدميّ عند المدرك هو نفس ذلك الأمر العدميّ ، لاتّحاد الوجود والماهيّة والعلم والمعلوم ، فالألم الموجود في ظرف الإدراك مصداق للألم ، وهو بعينه الألم العدميّ الّذي هو شرّ بالذات .
تنبيه :
ما مرّ من القول في الكيف وأحكامه وخواصّه هو المأثور من الحكماء المتقدّمين . وللمتأخّرين من علماء الطبيعة خوض عميق فيما عدّه المتقدّمون من الكيف ، عثروا فيه على أحكام وآثار جمّة ينبغي للباحث المتدبّر أن يراجعها ويراعي جانبها في البحث .
هامش
( 1 ) أي : سواء كانت لذّة حسّيّة أو خياليّة أو عقليّة .
( 2 ) قال بعض الأساتيذ من تلامذة المصنّف رحمه اللّه : « اللذّة والألم - سواء كانا من قبيل الإدراك أو كانا نوعين آخرين من الكيف النفسانيّ - أمران وجوديّان يتعاقبان على النفس ، فينطبق عليهما حدّ الضدّين ، ويكون تقابلهما تقابل التضادّ ، لا تقابل العدم والملكة » . ثمّ قال : « لكن لكلامه تأويل آخر . وهو أنّ اعتبار الألم عدميّا يكون بالنظر إلى حضور أمر عدميّ للنفس ، فيكون علما حضوريّا به . ويلاحظ عليه : أنّ الأمر العدميّ بما أنّه عدميّ ليس له حضور للنفس ، وإنّما الحضور يكون لموضوعه الوجوديّ ، مضافا إلى أنّ الألم ليس نفس العلم ، بل هو كيفيّة وجوديّة علميّة » . تعليقة على نهاية الحكمة : 182 - 183 .
( 3 ) هذا الإشكال أورده الفخر الرازيّ على الشيخ الرئيس في شرحه للإشارات ، فراجع شرحي الإشارات 2 : 88 - 89 . وتعرّض له صدر المتألّهين في الأسفار 4 : 126 ، و 7 : 63 ، والحكيم السبزواريّ في شرح الأسماء الحسنى : 253 .
( 4 ) والقائل هو صدر المتألّهين في الأسفار 4 : 126 ، و 7 : 63 - 66 . وقد بسط الكلام في الإشكال المذكور والجواب عنه الحكيم السبزواريّ في شرح الأسماء الحسنى : 253 - 258 .