قال جمع من المتكلّمين [ 1 ] بالثاني .
والحقّ هو الأوّل ، وبه قالت الحكماء ، واستدلّوا عليه بأنّ الماهيّة باعتبار وجودها ضروريّة الوجود وباعتبار عدمها ضروريّة العدم ؛ وهاتان ضرورتان بشرط المحمول ، والضرورة مناط الغنى عن العلّة والسبب ، والحدوث هو كون وجود الشيء بعد عدمه ، وإن شئت فقل : هو ترتّب إحدى الضرورتين [ 2 ] على الأخرى [ 3 ] ، والضرورة - كما عرفت - مناط الغنى عن السبب ، فما لم تعتبر الماهيّة بإمكانها لم يرتفع الغنى ولم تتحقّق الحاجة ، ولا تتحقّق الحاجة إلّا بعلّتها ، وليس لها إلّا الإمكان .
حجّة أخرى : الحدوث - وهو كون الوجود مسبوقا بالعدم - صفة الوجود الخاصّ ، فهو مسبوق بوجود المعلول ، لتقدّم الموصوف على الصفة ، والوجود مسبوق بإيجاد العلّة ، والإيجاد مسبوق بوجوب المعلول ، ووجوبه مسبوق
هامش
- إلى العلّة خمسة :
الأوّل : أنّ علّة الحاجة هي الحدوث وحده . وهذا منسوب إلى المتكلّمين .
الثاني : أنّ علّة الحاجة هي الإمكان وحده . وهذا مذهب الحكماء .
الثالث : أنّها هي المركّب منهما ، فعلّة الحاجة هي الإمكان مع الحدوث شطرا . وهذا منسوب إلى أبي الحسين البصريّ ، كما في قواعد المرام : 48 ، وإرشاد الطالبين : 79 .
الرابع : أنّ علّة الحاجة هي الإمكان بشرط الحدوث . وهذا منسوب إلى أبي الحسن الأشعريّ ، كما في قواعد المرام : 48 .
الخامس : أنّ منشأ الحاجة إلى العلّة كون وجوب الشيء تعلّقيّا متقوّما بغيره ، لا الإمكان ولا الحدوث . وهذا مذهب صدر المتألّهين في الأسفار 3 : 253 .
( 1 ) نسبه إليهم في شرح المقاصد 1 : 127 ، وكشف الفوائد : 8 . ونسبه الشيخ الرئيس إلى ضعفاء المتكلّمين ، في النجاة : 213 . ونسبه اللاهيجيّ إلى قدماء المتكلّمين ، في الشوارق : 89 - 90 ، وكذا العلّامة في أنوار الملكوت : 58 . ونسبه صدر المتألّهين إلى قوم من المتّسمين بأهل النظر وأولياء التميّز ، في الأسفار 1 : 206 . ونسبه ابن ميثم إلى أبي هاشم من المتكلّمين ، في قواعد المرام في علم الكلام : 48 . فالمراد من قوله : « جمع من المتكلّمين » هو قدماء المتكلّمين ، وأمّا المتأخّرون منهم فذهبوا إلى خلاف ذلك .
( 2 ) وهي ضرورة الوجود .
( 3 ) أي : على ضرورة العدم .