ثمّ ننتزع من كلّ من هذه الأمور المشهودة لنا - في عين أنّه واحد في الخارج - مفهومين اثنين ، كلّ منهما غير الآخر مفهوما وإن اتّحدا مصداقا ، وهما الوجود والماهيّة ، كالإنسان الذي في الخارج ، المنتزع عنه أنّه إنسان وأنّه موجود .
وقد اختلف الحكماء في الأصيل منهما ، فذهب المشاؤون إلى أصالة الوجود 1 ، ونسب إلى الإشراقيّين القول بأصالة الماهيّة 2 .
وأمّا القول بأصالتهما معا ، فلم يذهب إليه أحد منهم ، لاستلزام ذلك كون كلّ شيء شيئين اثنين ، وهو خلاف الضرورة .
والحقّ ما ذهب إليه المشاؤون ، من أصالة الوجود .
والبرهان عليه : أنّ الماهيّة من حيث هي ليست إلّا هي ، متساوية النسبة إلى الوجود والعدم ، فلو لم يكن خروجها من حدّ الاستواء إلى مستوى الوجود - بحيث تترتّب عليها الآثار - بواسطة الوجود ، كان ذلك منها إنقلابا ؛ وهو محال بالضرورة ؛ فالوجود هو المخرج لها عن حدّ الاستواء ، فهو الأصيل .
وما قيل : « إنّ الماهيّة بنسبة مكتسبة من الجاعل تخرج من حدّ الاستواء إلى مرحلة الأصالة ، فتترتّب عليها الآثار » 3 ، مندفع بأنّها إن تفاوتت حالها بعد الانتساب ، فما به التفاوت هو الوجود الأصيل وإن سمّي نسبة إلى الجاعل ؛ وإن لم تتفاوت ومع ذلك حمل عليها أنّها موجودة وترتّبت عليها الآثار ، كان من الانقلاب 4 - كما تقدّم 5 - .
هامش
( 1 ) ومنهم بهمنيار في التحصيل : 284 ، والسيّد الداماد في القبسات : 38 . وتبعهم صدر المتألّهين في الأسفار 1 : 49 ، والحكيم السبزواريّ في شرح المنظومة : 10 .
وقيل في وجه تسميتهم بالمشّائين : « انّما لقّبوا بهذا الاسم لأنّهم كانوا يمشون في ركاب أرسطو كذا » .
( 2 ) نسب إليهم في شرح المنظومة : 10 - 11 .
( 3 ) والقائل المحقّق الدوانيّ على ما في شرح المنظومة : 25 .
( 4 ) هكذا أجاب عنه صدر المتألّهين في الأسفار 1 : 73 - 74 .
( 5 ) تقدّم قبل أسطر .