إلّا في هذه المساجد الثلاثة المذكورة يكون الثواب أكبر « 1 » . وهذا لا يعني ألّا يسافر المرء إلى مسجدٍ غير هذه الثلاثة المذكورة ، وإلّا لما حرص المسلمون على الصلاة في مسجد قباء على سبيل المثال ، وهم قد جاءوا إلى هذا من بلاد بعيدة ، وكذلك يحرص الحجّاج والمعتمرون على زيارة مساجد المدينة ومكّة للصلاة فيها .
فالمعنى ينصرف إلى بيان أفضلية المساجد الثلاثة على غيرها ، ولا ينفي السفر لزيارة غيرها والصلاة فيها ، وكلٌّ له درجته عند اللَّه .
وحول الحديث الثاني ، وهو قوله صلى الله عليه وآله : « لا تجعلوا قبري عيداً » من رواية أبي داود « 2 » فإنّ ما فهمه العلماء المنصفون هو : ألّا تجعلوا قبر الرسول صلى الله عليه وآله كالعيد بالعكوف عليه وإظهار الزينات عنده ، والاشتغال عنده باللهو والطرب ممّا يجتمع له في الأعياد ، أي : لا يؤتى القبر إلّاللدعاء والزيارة . وهذا كلام ابن حجر رضي الله عنه ، ثم أضاف : وكذلك يعلم من الحديث : ألّا تجعلوا للزيارة يوماً مخصوصاً مثلما للعيد يوم مخصوص ، فلا يزار القبر إلّافي هذا اليوم فقط « 3 »
كما يستفاد من الحديث : الزجر عن سوء الأدب عند القبور ، والتزام الأدب الذي لا يتجاوز الدعاء والاعتبار والتأسي بأعمال وسيرة الصالحين الذين تضمّهم هذه القبور .
وعن الحديث النبوي الشريف : « اشتدّ غضب اللَّه على قومٍ اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد » « 4 » ، فقد جعل بعض المعترضين من هذه ذريعةً لمنع الزيارة ، ويزعمون أنّ سبب المنع لديهم المحافظة على التوحيد ، وهذا الزعم باطل ؛ لأنّ الممنوع هو اتّخاذ القبور مساجد يعكفون عليها ، أمّا الزيارة والدعاء عند القبور بقصد الموعظة
هامش
( 1 ) . انظر شرح الكرماني على صحيح البخاري 7 : 12 .
( 2 ) . سنن أبي داود 2 : 218 كتاب المناسك باب : زيارة القبور ح 2042 . وأورده المتقي الهندي في الكنز 1 : 498 ح 2199 وعزاه إلى الحكيم .
( 3 ) . الجوهر المنظم لابن حجر ، ذكره السمهودي في وفاء الوفا 2 : 612 .
( 4 ) . رواه ابن أبي شيبة في المصنّف 8 : 325 ، وابن عبدالبرّ في التمهيد 5 : 41 و 43 كلاهما عن أبي سعيد الخدري .