فإن قلت : فإنّ بعض الروايات التي سبقت وغيرها تقول : عيّرته اليهود وقالوا له : إنّك تابع لقبلتنا ، وهو دالّ على وجود القبلة لليهود ، مع أنّنا سبق أن نفينا ذلك وقلنا : إنَّه لم يثبت أنّ لليهود والنصارى قبلة .
قلنا : هذا يجاب بعدّة أجوبة :
أولًا : الطعن في السند ، الأمر الذي يفتح احتمال الزيادة والنقيصة في الأخبار ، فلعلّ هذه الأمور منها .
ثانياً : أنّنا لا نمانع أن تكون لهم قبلة يجب عليهم التوجّه إليها في بعض أعمالهم ، وإن لم يثبت ذلك بدليل معتبر ، إلّا أنَّ هذه الروايات لو تمّت سنداً صلحت أن تكون دليلًا عليه ، وهو أمر محتمل على أيّة حال .
ثالثاً : أنّ المراد بالقبلة التي لليهود ليست القبلة المصطلحة لدى المسلمين ، وإنّما هي لغة إسلاميّة مبيّنة لواقع يهودي مجهول ، فلعلّ المراد به مجّرد التقديس ، ولا شكّ أنّهم يقدّسون البيت المقدس ، فيكون التقديس مشتركاً مع المسلمين ، بينما هم لا يقدسون المسجد الحرام ، فيختصّ تقديسه بالمسلمين .
فإن قلت : فإنّ بعض الروايات تقول : « ثمّ عيّرته اليهود ، فقالوا له : إنّك تابع لقبلتنا ، فاغتمّ لذلك غمّاً شديداً » . ولعلّ القرآن الكريم أيضاً دالّ على ذلك في قوله تعالى : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فإنّ هذا الحال دالّ على وجود الغمّ والحيرة في نفسه المقدّسة ( ص ) .
مع أنّه لا وجه لوجود هذا الغم ، بعد أن كان يعلم من أوّل الأمر
بيان الفقه — صفحة 43
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٣