ثانيا : ان المستوى الفكري العام ، لم يكن يساعد - بطبيعة الحال - على إيضاح كل الحقائق المجردة جملة وتفصيلا . وانما كانت الحقائق تذكر تدريجا وبالمقدار المناسب .
ومعنى ذلك ان هناك عددا من الحقائق ، تبقى غير مبينة للناس ، باعتبار صعوبتها على المستوى العام . وهذا هو ديدن النبوات قبل نزول ( الأطروحة الكاملة ) .
ويستلزم خفاء تلك الحقائق ، ان الناس قد يلتفتون إلى هذه المشكلات ، تدريجا ، ولا يجدون في شرائعهم أو تعاليمهم حلالها ، فيضعون لها حلا من أفهامهم الخاصة ، ويعتبر ذلك بالتدريج حلا دينيا ، فيصبح الدين الذي يؤمنون به خليطا من الحق والباطل .
ثالثا : ان هذه الدعوات ، لم تمارس نشر أفكارها بالسيف عن طريق الجهاد .
ومعنى ذلك : انها أهملت حمل هموم هداية العالم في أنفس المؤمنين بها . ولا بد أن يكون ذلك لعدم مساعدة الظروف الموضوعية لذلك .
ويستلزم ذلك - في الذهن الساذج - التقوقع في الايمان ، والشعور بمحدودية الدعوة في منطقة معينة ، وان كل ما في هذه المنطقة من أفكار وتقاليد هو معترف به من قبل تلك النبوة ، ما لم تنص على الغائه أو النهي عنه . فيكون هذا بابا واسعا لأن ينسب إلى الدين ما ليس منه .
ونتيجة لهذه النقاط ونحوها ، يمكن ان نفهم الجواب عن السؤال الرئيسي وهي ان مضاعفات الانحراف غير موروثة عن الأنبياء أنفسهم ، وانما ناتجة عن المجتمع الحاوي على عدد من نقاط الضعف .
وبمثل ذلك يمكن ان يفسّر خفاء ادعائهم للنبوة ؛ كما يمكن ان يكونوا قد أهملوا ذلك بأنفسهم ، لمصلحة معينة أو لعدم استيعاب المجتمع لفكرة النبوة . وقد سمعنا عن زرادشت انه ادعى النبوة ، ولعل الآخرين قد ادعوها ولم تف المصادر بذلك .
ولا يخفى ان التشويه إذا بلغ إلى هذه الدرجة ، كتحول بوذا من نبي مربّي إلى صنم معبود ، وغير ذلك ، فإنه يعيق ما توخّته النبوة نفسها من التربية المطلوبة ، إلى حد غير قليل .
صحيح ، اننا قلنا إن النبوات تربي المستوى العام للمجتمع سواء المؤمنين بها أو الكافرين ، إذ يكفي مجرد الالتفات إلى المعاني المعينة التي يقولها نبي معين ، إلى انفتاح
موسوعة الإمام المهدي ( ع ) ( اليوم الموعود ) — صفحة 496
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٩٦