التمهيد الأول المضمون المشترك بين المادية التاريخية والتخطيط الإلهي العام
من الملاحظ بجلاء ، أن اتجاه المادية التاريخية ، واتجاه التخطيط العام الإلهي لتكامل البشرية ، وهما معا يبشران بالمستقبل السعيد . . . من الملاحظ أنهما بالرغم من كونهما قطبين متعارضين . . . إلا أنهما بنظرهما الشامل إلى البشرية ، استطاعا أن يبينا نقاطا معينة اشتركا فيها وتصادقا عليها .
وهذه النقاط بالرغم من كونها عناوين عامة ، فارغة من التفاصيل ، إلا أنها ليست بالقليلة إلى الحد المتصور ، وإنما هي ذات طابع مهم إلى حد كبير . وإنما يبدأ الخلاف بين الاتجاهين - بعد تجاوز أسسها العامة - : عند الدخول في التفاصيل ، ومحاولة ملء هذه العناوين الفارغة بما ينبغي أن تملأ به .
وسنحاول الآن أن نلخص المضمون المشترك بين الاتجاهين . . .
بشكل يكون مرضيا - في الأغلب - لهما معا :
إن البشرية ، بصفتها جزءا من الكون ، تكون محكومة بطبيعة الحال ، للقوانين الكونية ، التي تقوم بتطويرها بشكل موضوعي مستقل عن إرادة البشر . وإنما يملك الأفراد حرية التصرف من خلال ما تعطيه تلك القوانين من فرص .
والتاريخ البشري ، صاعد باستمرار نحو التكامل والتطوير نحو الأفضل ، حتى يصل في يوم من الأيام إلى مستقبل سعيد يسود فيه الرفاه ربوع البشرية كلها .
فقد وجدت البشرية في أول أمرها ساذجة وبسيطة . . . وبقيت كذلك ، ردحا من الزمن ، حتى استطاعت بالتدريج البطيء أن تسير نحو الأفضل . . . وقد لاقت خلال سيرها هذا كثيرا من المشاكل والويلات .