كما أن بلدانا رأسمالية عديدة لم تفكر بالاستعمار ، كالهند وإيران وتركيا ( بعد العثمانيين ) . فإنها لم تفكر بغزو العالم للتسويق ولا لأي غرض آخر ؛ وإنما تسوّق منتجاتها عن طريق العلاقات الحرة بين الدول .
إن الاستعمار نتيجة لظروف معينة فكرية وعسكرية واقتصادية للبلد الفاعل للاستعمار ، وهذه الظروف قد لا تتوفر في البلد الرأسمالي بصفته رأسماليا ، فلا يفكر في الاستعمار .
كما أن الاستعمار غير خاص بالعهد الرأسمالي ، بل هو شامل للعهد الاشتراكي أيضا . وقد سمعنا من لينين قبل قليل قوله :
« فإذا ما قامت البروليتاريا الثورية الظافرة بدعاية منتظمة بين هذه الشعوب وإذا ما ساعدتها الحكومات السوفييتية بجميع الوسائل الموجودة تحت تصرفها . . . الخ » .
إن هذه المساعدة الضخمة نوع من أنواع الاستعمار أيضا ، وله نفس المبررات الرأسمالية ! وهو التسويق العالمي ، مضافا إلى التأثير العقائدي والعاطفي أيضا ، أي الاستعمار الفكري إلى جانب الاستعمار الاقتصادي ، وهو جانب تفقده الرأسمالية ، وقد استطاعت الدول الاشتراكية أن تضيفه إلى ذلك .
ولا زلنا نرى في العالم دولا اشتراكية تميل للاتحاد السوفييتي ، ودولا اشتراكية تميل للصين ، فما السر في ذلك غير المساعدة الاستعمارية المستترة .
الظاهرة الرابعة : ان التجريد الماركسي يميل إلى الاعتقاد إلى أن استمرار الرأسمالية يكون كابحا ومانعا عن تطور وسائل الانتاج ، وان الأطوار الجديدة لهذه الوسائل لا تكون في مصلحة الرأسماليين بل في مصلحة الاشتراكيين المتمثلين بالبروليتاريا أول الأمر . ومن ثم يكون زوال الرأسمالية محتوما طبقا لقواعد المادية التاريخية .
وقد سمعنا كوفالسون يقول :
« إن الحفاظ على الملكية الرأسمالية الخاصة يكبح تطور القوى المنتجة والمجتمع كله ، ويؤزّم نضال البروليتاريا الطبقي ضد البرجوازية ، بوصفه تعبيرا عن تناقض الرأسمالية الأساسي » « 1 » .
إلا أن الواقع التاريخي المعاصر ، مخالف لهذا الكلام . فإن وسائل الانتاج
هامش
( 1 ) المادية التاريخية : كوفالسون وكيلله ص 135 .