وكما يستحيل تخلف الأهداف الكونية ، ويتسبب الخالق المدبر إلى تحقيقها لا محالة . . . كذلك يستحيل تخلف الأهداف المتوخاة من إيجاد البشرية ، ويتسبب الخالق أيضا إلى تحقيقها بالضرورة . وهذا هو الذي نصطلح عليه بالتخطيط الإلهي العام ، الذي سنعرض له في القسم الثالث مفصلا .
وانطباق هذا السبب على الحياة البشرية ، لا يعني بحال ، تحول أفعالهم الاختيارية إلى أفعال ضرورية قسرية . فإن هذا السبب الغائي ، لا يزيد - في واقعه - عن السببين الآخرين من حيث التطبيق . بمعنى أن الخالق حين توخى أهدافا معينة من كونه وبشريته ، جعل السبب الأول والثالث الآتي هي الطرق إلى إنجاز تلك الأهداف ، فتحوّل تلك الأسباب عن واقعها وتغير محتواها يعني بالضرورة تخلف تلك الأهداف ، وهو مستحيل لأنه نقض لغرض الحكيم المطلق ، إذن ، فلا بد أن يبقى السبب الأول قسريا . والسبب الثالث اختياريا ، على ما سنسمع ، لكي ينجز الكون أهدافه .
وبكلمة أخرى : إن اختيارية أفعال البشر ، دخيلة في إيصالهم إلى الكمال فالالتزام بقسرية أفعالهم ، مناف مع هذا الهدف وهو محال .
السبب الثالث : لتكوين الحياة الاجتماعية ، هو الأفعال الاختيارية للناس أنفسهم ، وردود أفعالهم تجاه مختلف الوقائع والأحداث . وسنعرف مقدار اختيارية هذه الأفعال في الفقرة التالية .
وهذا السبب ذاتي - بطبعه - باعتبار أن صفة الاختيار صفة « داخلية » للانسان ، كما أن الدوافع التي يصدر عنها في أفعاله دوافع داخلية أيضا .
- 3 - نعرف من هذا الذي سمعناه ، ما هو الصحيح في مقدار اختيارية أفعال الانسان .
إن الانسان يملك الاختيار ، بمعنى أن له أن يفعل وأن يترك تجاه أية واقعة أو حادثة ، ولا يمكن أن تكون أفعاله قسرية . وهذا هو الذي له أكبر الأثر في تربيته وتكامله ، وبالتالي في تربية البشرية ككل وتكاملها ، والافصاح عن النيات الحسنة والشريرة . وبدون لا معنى لأي هدف أو أي دافع ، مما
موسوعة الإمام المهدي ( ع ) ( اليوم الموعود ) — صفحة 106
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٠٦