نشعر به وجدانا ، كما لا معنى للخير والشر ، كما لا معنى لاعطاء أية قيمة لفعل الانسان ، فلا يستحق أحد شكرا ولا عقابا .
ولكن الانسان ، بالرغم من كونه مختارا ، لا يستطيع أن يتحكم في السببين الأولين النافذي المفعول عليه .
أما السبب الأول : فهو قسري التأثير بالنسبة إليه ، لا اختيار له تجاهه ، لوضوح أن كل من ألقى نفسه من شاهق ، فهو يسقط ، وكل من أدخل يده في النار ، فإنها تحترق .
وبهذ السبب تتحدد الظروف التي يستطيع الانسان بذل النشاط من خلالها . لوضوح أن الانسان لو كان يستطيع أن يخالف قانون الجاذبية - مثلا - لكان نشاطه بشكل يختلف عن نشاطه حال عدم استطاعته لذلك .
إذن ، فقانون الجاذبية - مهما فسرناه - يحدد ظرف سلوك الأفراد ويحدد من نشاطهم عموما . وكذلك الحديث عن غيره من القوانين .
إلا أن هذا السبب بالرغم من قسريته ، لا يحول الأفعال الانسانية إلى قسر . فإن احتراق اليد بالنار قسري ، لكن إدخالها فيها اختياري على أي حال . وذلك : لأن الانسان إنما يكون مختارا فيما هو قادر عليه ، وهو غير قادر على أن يخالف القوانين أو الأسباب العامة بالضرورة . فهو قادر - مثلا - على أن لا يدخل يده في النار ، ولكنه غير قادر على عدم احتراقها لو دخلت .
وهذه الظروف التي توفرها الأسباب العامة ، إطار واسع - حسب تعبير الماركسيين - يمكن أن يتصرف الناس خلالها .
وأما السبب الثاني : فليس له أي قسر مباشر بالنسبة إلى الأفراد .
ولكن حيث أنه يتضمن تحديد أهداف معينة من خلق الكون والبشرية ، تحدث بالضرورة . . . ينتج من ذلك : أن الانسان يستطيع أن يحدد أهدافه القصيرة ، لا انه يستطيع أن يحدد أهداف بشريته عموما ، بل هو بالضرورة سائر ضمن هذه الأهداف .
وبكلمة أخرى : إن الانسان في كل أفعاله الاختيارية يسير بالضرورة نحو هدفين مزدوجين : أهدافه الشخصية القصيرة ، والأهداف العامة للبشرية .
موسوعة الإمام المهدي ( ع ) ( اليوم الموعود ) — صفحة 107
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٠٧