السادس : درجةٌ من الإيمان ينالونها ، فيدركون ذلك أيضاً . وهنا لا ننسى أنَّ المراد هنا هو الأبرار ممّا فوقهم ، وليس من هو دونهم من أصحاب اليمين .
ثُمَّ إنَّه يُلاحظ : أنَّ قوله تعالى : كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ تعدّى ب - ( من ) ، والغالب أنَّه يتعدّى ب - ( على ) ، نقول : ضحكت عليه . فكيف حصل ذلك ؟
أقول : كلاهما فصيحٌ ، والواو في التنزيل هو التعدية ب - ( من ) ، كما في هذه الآية ، وفي قوله تعالى : وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ « 1 » بل هو أقرب إلى البلاغة والفصاحة ، ولا يخلو جرّه بعلى من ابتذالٍ ونقصٍ بلحاظ جهته اللغويّة .
مضافاً إلى أنَّ ( من ) تفيد التسبيب ، أي : إنَّهم سببٌ للضحك ، و ( على ) تفيد المضادّة ، يعني : يضحكون ضدّهم ، والمضادّة غير مستلزمةٍ للتسبيب ؛ إذ يمكن أن يضحكوا ضدّه بسببٍ آخر . إلّا أنَّ التسبيب لابدّ أن يكون للمضادّة في الأعمّ الأغلب . ومن هنا يتّضح أنَّ ( من ) يظهر منها كلا الأمرين ، و ( على ) تدلّ على معنىً واحدٍ ، فيكون ( من ) أولى بالاستعمال « 2 » .
* * * *
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون ، الآية : 110 .
( 2 ) فإن قلت : قوله كَانُوا يدلّ على أنَّ العمل في الآخرة وأنَّهم كانوا في الدنيا .
قلنا : كلّا ؛ فإنَّ الظاهر أنَّها للشأنيّة ، كما ذكرنا في بحث الأُصول ، كقوله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [ سورة الأنفال ، الآية : 33 ] وقوله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [ سورة الأنفال ، الآية : 33 ] وقوله تعالى : وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [ سورة النساء ، الآية : 134 ] ( منه ( قدس سره ) ) .