فإن قلت : إنَّ فاعل ( يقول ) هو الإنسان ، وهو يعتقد أنَّ ماله جليلٌ .
قلنا : نعم ، والجواب عنه في ضوء عدّة أُطروحاتٍ :
الأُولى : أنَّه يقول ذلك في وقت الندم كيوم القيامة أو حال الاحتضار .
الثانية : أنَّ ذلك حين لا يكون مقتنعاً بالعطاء والإنفاق .
الثالثة : أنَّه نقلٌ بالمعنى مع زيادة كقوله : إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُون « 1 » .
( والمال ) عند العرب ليس هو النقد بل الحيوانات ، كما لم تكن عندهم زراعةٌ ، ولذا ورد ( أهلكت ) أي : قتلت وذبحت مالًا وحيواناتٍ كثيرةً ، إمّا يأكلها أو يبيعها ونحو ذلك ، وكلّه يؤول إلى هلاكها .
أقول : ولكن هذا لا ينافي فهم العموم من القرآن ، كما في سياق كلام صاحب ( الميزان ) « 2 » بأن نفهم النقد أو الأعمّ من النقد والعين أو الأعمّ من النقد والعين والحيوان والأراضي والرياش وغيرها ، أو كلّ ما هو مالٌ عرفاً وعقلائيّاً ، كما يقال فقهيّاً : ممّا يتموّل ، ويكون ( أهلكت ) بمعنى : صرفت وبذّرت ونحوهما . وعلى أيّ حالٍ فهي أيضاً في سياق الذمّ كقوله : ( لبداً ) .
فإن قلت : الحيوانات لا تتلبّد .
قلنا : التلبّد هو مجرد التجمّع . وأمّا أن تكون الأجزاء بعضها فوق بعضٍ فهذا من مصاديقه ، وليس من أصل مفهومه .
ويحتمل أن يكون ( لبدا ) حالًا من الحاجات المصروف عليها المال والمعروفة بلفظ المال ، وكان المال سبباً إليها ، يعني : حاجاتٍ كثيرةً جدّاً ، ومسؤوليّتها متجمّعةٌ أو هي كذلك .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف ، الآية : 82 ، وسورة النمل ، الآية : 56 .
( 2 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 292 : 20 - 293 ، تفسير سورة البلد .