قوله تعالى : فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى :
هنا تظهر الصناعة اللفظيّة من جهاتٍ ثلاث :
الأُولى : نسق الآيات .
الثانية : تكرار السين والراء أو تشابه المادّتين .
الثالثة : التضادّ بين المادّتين في المعنى .
ولا يمكن أن يقول : نيسّره للعسرى ؛ ليكون السياق مماثلًا لما سبق .
وبذلك تكتسب مذاقاً يختلف عن مذاق ضدّها السابق ؛ فإنَّ هناك تساوقاً وهنا تضادّ .
وكما أنَّ الله تعالى يستطيع أن ييسّر وأن يعسّر النتائج الطيّبة ، فكذلك يستطيع أن ييسّر ويعسّر النتائج الصعبة المؤلمة ، أي : يسرع بوصولها إلى الإنسان أو بتشديدها عليه بمقدار استحقاقه لا أكثر . وهي ضدّ اليسرى هنا ، فأيّ شيءٍ قلنا هناك يأتي خلافه هنا . وكان المختار أنَّ اليسرى هي النتائج الطيّبة عنده في الدنيا والآخرة ، فتكون هذه كذلك .
فإن قلت : فإنَّ المراد قد يكون العسرى بنحوٍ مطلقٍ .
قلنا : أوّلًا : هذا غير محتملٍ .
ثانياً : أنَّه مقابلٌ لليسرى ، فهل يُراد بها اليسرى المطلقة أيضاً ؟ وهو غير
محتملٍ ؛ لأنَّ المكلّف لا يتحمّل ذلك .
فإن قلت : فإنَّ المراد من العسرى بطء نتائج الغير ضدّ تيسيرها هناك .
قلنا : هذا في نفسه محتملٌ ؛ إلّا أنَّه جاء نتيجة لمقدّماتٍ مهمّةٍ وشديدةٍ ، فلا يحتمل أن تكون النتيجة بهذه البساطة ، إلّا أن يحمل مقدّماتها على ذلك . فبخل يعني : بالسعي لها ، واستغنى يعني : أهملها ، وكذّب يعني : كذّب ببعض
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 124
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٢٤