الأمر الثاني : أنَّها ليست إشارةً إلى يوم القيامة ، كما عليه مشهور المفسّرين ، بل هما إشارة إلى ما بعد يوم القيامة ؛ لأنَّه قال : فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ أي : في الجنّة ، وقال : فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ أي : في النار .
ويمكن أن يجاب بمناقشتين :
الأُولى : أنَّ ما قيل في الأمر الثاني وإن كان صحيحاً ، إلّا أنَّه سبحانه قال : فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ وذلك يكون في يوم القيامة لا بعده .
الثانية : أنَّه يمكن أن يكون المراد به مطلق الآخرة ، لا خصوص يوم القيامة .
إلّا أنَّ هذا على خلاف المشهور ؛ فإنَّ السياق واحدٌ ، والقارعة هو يوم القيامة على المشهور ، فيتعيّن أن يكون كلُّه في يوم القيامة ، إلّا أن يقال : إنَّه تعرّض أوّلًا ليوم القيامة ، ثُمَّ تعرّض لمعلولاته ثانياً ، وهو دخول الجنّة ودخول النار .
الأمر الثالث : أنَّ هذه المعلولات تنتج في الدنيا أيضاً ؛ فقوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ . . . أي : زادت حسناته على سيّئاته في علم الله تعالى فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ أي : مرضيّة ؛ فإنَّه قد يستعمل اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول على معنى أنَّها مرضيّة لفاعلها أو مرضيّة لله سبحانه .
أو نقول : إنَّ راضية بمعنى اسم الفاعل مجازاً ؛ من حيث إنَّه نسب الرضا إلى العيشة ، ومراده العائش ، أي : ذو العيشة الراضية ؛ إمّا لكونه راضياً بعطاء الله ، كما قال تعالى : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى « 1 » أو كونه راضياً
هامش
( 1 ) سورة الضحى ، الآية : 5 .