نعم ، لو أُخذ في مفهومها الإيذاء النفسيّ ، لاختصَّ بمن ليس له رضىً وتسليمٌ ، غير أنَّ القارعة هي السبب والمسبّب معاً ، بل كلاهما قارعةٌ بانفراده ، وأيٌّ منهما صدق كفى ، والمشهور هو السبب ، حتّى لو فسّرناه بيوم القيامة ، وإلّا فيوم القيامة فيه جهةٌ نفسيّةٌ صعبة أيضاً .
فإن قلتَ : فإنَّ قوله : مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ دلَّ على أنَّ ذلك يحدث في يوم القيامة ، مضافاً إلى ما سنسمع من أنَّ هدف السورة هو التخويف من الآخرة لا من الدنيا .
قلت : هذا وإن كان مسلك إجماع المفسّرين ، إلّا أنَّه مع ذلك يمكن القول بأنَّ القارعة كما تكون في الآخرة تكون في الدنيا .
وإنَّ هذا الإيراد غير تامٍّ لعدّة أُمور :
الأمر الأوّل : أنَّ قوله تعالى : فَأمَّاْ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ جملةٌ مستأنفةٌ ، لا ربط لها بما سبق ، فلا تكون قرينةً على الشكل المدّعى في السؤال . نعم ، ما يكون مرتبطاً بما قبله يكون قرينةً ؛ لأنَّ للمتكلّم أن يضيف على كلامه ما شاء من القرائن والحديث ، إلّا أنَّ هذه العبارة القرآنيّة غير مربوطة بما قبلها .
إلّا أنَّ هذا الوجه غير تامٍّ لمناقشتين :
الأُولى : الطعن في الكبرى ؛ [ إذ ] إنَّ الكلام المنفصل تماماً لا يكون قرينةً على سابقه ، كما لو كان بعد سكوتٍ طويل ، إلّا أنَّ ظاهر الآية أنَّها نزلت دفعةً واحدةً .
الثانية : الطعن في الصغرى بوجود قرينة تدلُّ على الارتباط ، وهي الفاء في قوله فأمّا فإنَّها تكون بمنزلة السببيّة ، كأنَّه ذكر العلّة ثُمَّ معلولها ، أي : النتائج المترتّبة على السياق الأول .
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 359
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٥٩