منهما مرادٌ في الآية ، ولا تكرار فيها ، كما سيأتي في تفسيرهما .
الوجه الثاني : أنَّه إن تنزّلنا عن الوجه الأوّل فستكونان بمعنىً واحد ، فيكون المراد باللمزة تشديد النكير على الهمزة واللمزة واستقباحهما ؛ فإنَّه حتّى لو فعل ذلك مرّة واحدةً ، فهو عملٌ في غاية الشناعة ، فضلًا عمّا إذا كان فعله مكرّراً ، وهذا أقرب إلى الفهم العرفي للقرآن .
الوجه الثالث : أن نقول : إنَّ اللمزة تابعٌ للهمزة .
والاتّباع مستعمل في اللغات غير العربية بكثرة ، ولكنّه في العربية نادر ، وهو أن يتكلّم المتكلّم بكلمةٍ ثانيةٍ مشابهةٍ لفظاً للأولى ، وليس لها معنى إلّا معنى الكلمة الأُولى ، وذلك بقصد الاستهزاء أو الاستظراف أو التهديد أو التأكيد أو غير ذلك ، وهي كلمةٌ يستفاد معناها من مدخولها .
واللمزة في الآية الكريمة يمكن أن تكون صغرى لهذه الكبرى ، والاحتمال مبطلٌ للاستدلال ، ولا تكون لغواً ، بل ذُكرت بقصد الاستهزاء أو التأكيد أو نحو ذلك .
إن قلتَ : اللمزة لا تحتمل أن تكون للاتّباع ؛ لأنَّ لازمه أنَّها لا معنى لها ؛ لأنَّ الكلمة التابعة لا معنى لها ، ولا يمكن أن تكون في القرآن الكريم كلمةٌ لا معنى لها .
قلت : جوابه من أكثر من وجه :
أوّلًا : الطعن في الكبرى ، وهي ضرورة خلوِّ القرآن الكريم من أيّة كلمةٍ لا معنى لها ، بل يمكن القول بإمكان ذلك ؛ وذلك لقوله تعالى : مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ « 1 » وهو يشمل حتّى الكلمات الخالية من المعنى .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، الآية : 38 .