ثُمَّ إنَّ كون الجارّ والمجرور ( لإيلاف ) متعلّقاً بما قبله من سورة الفيل ينتج أمراً ، وهو أنَّ حادثة الفيل حصلت لأجل إيلاف قريش وأُنسها بولادة النبي ( ص ) ، وهو معنىً لطيف ، إلّا أنَّه قابل للمناقشة .
وعلى هذا تكون وحدة السورتين قرينةً - ولو كانت ناقصةً - على أنَّ هذه السورة نزلت بعد سورة الفيل كجزءٍ منها .
وهذا قابل للمناقشة من عدّة وجوه :
الوجه الأوّل : أنَّ تعلّق الجارّ والمجرور يكون بعيداً لفظاً ، مع وجود فاصل آية أو أكثر من آية ، لا أقلّ من البسملة ، وهذا خلاف الظهور الفعلي .
الوجه الثاني : أنَّ في سورة الفيل ستةَ أفعالٍ : ترى وفعل ويجعل وأرسل وترميهم وجعلهم ، فلأيَّ منها يعود الجارّ والمجرور ؟
نذكر عدّة أُطروحات كلُّها باطلة :
أوّلًا : أن يعود إلى الجامع بينها ، أي : إلى أحدها على نحو الإجمال ، وهذا باطلٌ نحويّاً ومعنويّاً ، وإن كان متصوّراً أصوليّاً .
ثانياً : أن يعود على ( فعل ) ، وفيه نقطة قوّة ونقطة ضعف :
أمّا نقطة قوّته فهي انسجام المعنى ، من حيث إنَّ الله تعالى ينتقم من أصحاب الفيل لأجل إيلاف قريش .
ونقطة ضعفه بعدُه اللفظي عن الجارّ والمجرور ، وهو أمرٌ مهمّ .
ثالثاً : أنَّه يعود على قوله : فَجَعَلَهُمْ ونقطة قوّته قربه النسبيِّ من الجارّ والمجرور ، إلّا أنَّه لا يناسب المعنى الذي اقترحوه ، فيكون على خلاف الظاهر .
الوجه الثالث : أنَّ السبب الذي تدلُّ عليه سورة الإيلاف هو إلفُ قريشٍ لرحلة الشتاء والصيف واستيناسهم بها ، ولا ذكر للنبي ( ص ) ، فالذي
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 238
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٣٨