الجهة الثانية : من ناحية هيئة الكلمة من حيث كونها صيغة مبالغة .
وهنا يمكن طرح سؤال : لماذا استعمل صيغة المبالغة ، ولم يستعمل صيغة اسم الفاعل ، أعني : تائب ؟
جوابه من عدّة وجوه :
الأوّل : اختلال السياق اللفظي والنسق القرآني ، كما هو واضحٌ .
الثاني : أنَّ فعل المضارع ( يتوب ) وإن أمكن انطباقه على الجهتين : باذل التوبة وقابلها ، إلّا أنَّ اسم الفاعل ( تائب ) أقلُّ ظهوراً في ذلك ، بل هو ظاهرٌ في باذل التوبة ، وهو العبد ، إلّا أن يقيّد بقرينةٍ ، مثل أن يُقال : إنَّ الله تائبٌ على عبده ، وإلّا فظهوره في العبد ممّا لا ينكر ، في حين أنَّ مقصود المتكلّم في القرآن كون الله سبحانه هو التائب ، وهذا لا يكون إلّا بصيغة المبالغة .
الثالث : أنَّ صيغة المبالغة تفيد أمرين :
أحدهما : أنَّه سبحانه سريع التوبة وكثيرها ، والمراد أنَّه يتوب ويغفر وإن كانت الذنوب كثيرة ، وأنَّه لا يأس من رحمة الله ، فليس الله تائباً عن عبده مرّة أو مرّتين ، بل هو كثير التوبة عنه والرحمة له .
ثانيهما : الاستقباليّة ، فلو قال : تائباً ، لم يكفِ ؛ لأنَّ المراد وقوع الاستغفار [ في المستقبل ] لا في الماضي ، والسياق كلُّه للاستقبال - كما عرفنا - فتكون الأنسب صيغة المبالغة .
فإن قلتَ : إنَّ هذه العبارة مربوطةٌ بالاستغفار فقط ، دون ما قبله .
قلتُ : أوّلًا : نعم ، لا بأس بذلك .
وثانياً : يمكن أن يكون ما قبله كلَّه نحواً من الاستغفار ومصداقاً له ، وهو التسبيح بالحمد ، فيكون التوّاب مربوطاً بالجميع .
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 180
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٨٠