ولا شيء أدل على أن التصوف غير الزهد من أن معنى الزهد يتحقق بمجرد الإعراض عن الدنيا ومتاعها ، أما التصوف فقد أخذ في مفهومه مجاهدة النفس وترويضها ، أجل ، ان الزهد ثمرة من ثمرات التصوف ، وليس هو التصوف بالذات . على أن ابن عربي ، وهو أحد شيوخ الصوفية ، قد فسر هذا الحديث القدسي حكاية عن اللّه سبحانه : « أنا الرحمن خلقت الرحم ، وشققت لها اسما من اسمي ، فمن وصلها وصلته ، ومن قطعها قطعته » فسّره بأن العمل في هذه الحياة ضرورة لازمة لكل إنسان صوفيا كان أو غير صوفي . ويتلخص شرحه لهذا الحديث بأن اللّه أراد من الرحم الطبيعة ، فكما أن الرحم تضم الطفل وتغذيه ، وتحفظ له الحياة كذلك الطبيعة تضم الإنسان وتطعمه ، وفيها ينمو ويكبر . أما صلة الانسان للطبيعة فهو أن يجدّ فيها ويعمل ، ومعنى قطعه لها أن يكسل ويهمل . وقال الشيخ ابن عربي : من نجس حق الطبيعة فقد بخس حق اللّه ، وجهل ما فيها من أسرار .
هذا ، إلى أن ما يحصل للانسان من الثواب والنعيم في الآخرة ، وبعد الموت - هو من نتائج العمل في هذه الحياة ، فليس الكمال الأخروي إلا من ثمرات العمل في الطبيعة نفسها ، وهذا معنى قوله تعالى :
« وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى »
ومعنى قول الإمام علي : « اليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل » . وحمل المسابح ولبس المرقعات وعقد الحلقات ليس في شيء من العمل عند اللّه وعند الناس .
اذن التصوف شيء ، والزهد شيء آخر . وأيضا ليس التصوف من الشعائر والعقائد الدينية ، ولا من التقاليد السائدة والنظم الاجتماعية ، ولا هو حقيقة طبيعية تفرض نفسها فرضا ، وإنما هو بأساليب التربية أشبه . . نقول ، مع العلم بأن التصوف بمعناه الشامل لكل فئة تتسم به ، وتنتمي اليه - لا يجمعه حد ولا رسم ، لأن المتصوفة على أنواع ، فمنهم