يبدأ القرآن بفاتحة الكتاب ، ومنذ اللحظة الأولى حيث يختص الحمد به تعالى ، يدرك الإنسان بأنه عاجز عن الفهم . إذ أن كل المحامد له . فلا أحد يليق به الحمد ولا أحد يُحْمَد غيره . حتى أن البعض يتصور أن ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) « 1 » هو قضاء تكويني ، قضاء الله بأن لا يعبد غيره . يتصورون بأنهم يسجدون للوثن ، يمدحون الإنسان ، يمدحون الشمس . ولكن المدح منه كلّه . وان الجميع يمدحونه وهم لا يفقهون . كما أن معاناة الإنسان في العالم الآخر هي بسبب عدم الفهم هذا . ولهذا ثمة حجاب بين الإنسان والحقائق . فلو تمعن الإنسان قليلًا حتى في هذا العالم المادي ، في هذا الموجود في عالم المادة ، وفي حدود ما تصل إليه يد الإنسان ، سوف يدرك مدى قدراته على الفهم والاستيعاب ، فكيف الأمر إذن بالنسبة إلى ذلك الذي لم تصل إليه يد الإنسان .
انظروا إلى لغة القرآن : ( زيّنا السماء الدنيا بزينة الكواكب ) « 2 » فإنها على العكس من هيئة بطليموس « 3 » . . السماء الدنيا تعني هذه الكواكب التي ترونها . كل هذه السماء الدنيا وبالقدر الظاهر منها تعتبر زينة . وفوقها ملايين الشموس وفوقها مليارات الأجرام السماوية ، وما وراء ذلك ما لا يعلم به غير الله . إن هذا العالم المادي الذي وصلت إليه يد الإنسان حتى الآن ، ليس في ذروته ولا في حضيضه . فالإنسان بما لديه من أجهزة دقيقة يستطيع رؤية الذرات المتناهية في الصغر ولكنه غير قادر على فهم ما دون ذلك . . . إن ضعف الإنسان يتجلى في أنانيته وعبادته للمنصب والمقام . فكم الإنسان ضعيف كي تستحوذ عليه أنانيته في هذه الدنيا . وكم الإنسان جاهل حتى ينظر إلى كل هذه الأمور ويعتبرها منصباً وجاهاً .
ولكننا عندما ننظر إلى أصحاب المقامات الروحية والمعنوية ، عندما ننظر إلى أدعيتهم نراهم أكثر عجزاً منّا لأنهم أدركوا حقيقة الأمر . فأنتم عندما تقرأون دعاء كميل ، عندما تقرأون المناجاة الشعبانية والأدعية الأخرى الواردة عن المعصومين - عليهم السلام - ترون أن لغة هؤلاء غير لغتنا العامة نحن الذين إذا ما علمنا مسألة فقهية تصورنا أننا أصبحنا شيئاً . ولو تسلمنا مقاليد الأمور في بلد تصورنا بأن ذلك أمر مهم . ولو حصلنا على مقام معنوي تصورنا أننا حققنا كل شيء . ولكن عندما ينظر الإنسان إلى أقوال أولئك الذين وصلوا إلى هذه المقامات التي يعجز عن الوصول إليها الآخرون ، يجدها لا تكف عن تصوير عجزهم من أولها إلى آخرها ، ويجب أن تكون كذلك لأنهم لم يصلوا ولن يصلوا أبداً . ولكننا ملزمون بأن ندعو ، أمرنا بأن ندعو وان نحمد وان نسبّح ، أمرنا بالصلاة .
هامش
( 1 ) ( ) سورة الأسراء ، الآية 23 .
( 2 ) ( ) سورة الصافات ، الآية 6 .
( 3 ) أحد كبار علماء القرن الثاني قبل الميلاد وقد ولد في الإسكندرية . وكان يعتقد بأن الأرض ثابتة والكواكب تدور من حولها . وتعرف هذه النظرية باسمه .