العظام في مدينة ما وفي بلد ما لن يختلفوا مع بعضهم أبداً ، لأنهم تزكوا ، فهم يملكون العلم والحكمة بعد التزكية في النفس . فكل مشاكلنا جميعاً لأننا لم نُزكّ ، لم نربّ . أصبحوا علماء ولكن لم يتربوا ، تفكرهم عميق ولكنهم لم يتربوا . وإن الخطر الناشئ عن العالِم الذي لم يربّ ولم يزكّ على البشر أكبر من خطر المغول . فغاية البعثة هذه التزكية ، فغاية مجيء الأنبياء هي التزكية وبعدها التعليم . فلو أن النفوس لم تزكّ ولم تربّ ثم دخلت أي ساحة ، في ساحة التوحيد ، في ساحة المعارف الإلهية ، في ساحة الفلسفة ، في ساحة الفقه ، في ساحة السياسة ، في أي ساحة دخلت ، الأشخاص الذين لم يزكوا نفوسهم ولم تصفو ولم يتحرروا من هذا الشيطان الباطني ، فإن خطرهم على البشر هو خطر كبير . فيجب على الأشخاص الذين يريدون أن يربوا آخرين في هذا العالم ، أن يكونوا قد زكوا أنفسهم سابقاً وربوها ويجب على الأشخاص الذين يأخذون زمام الأمور إذا لم يريدوا أن يطغوا ولا يفعلوا أعمالًا شيطانية ، أن يزكوا أنفسهم ، والبعثة كانت لتزكية الجميع .
ضرورة التهذيب وأهميّته عند رجال الدولة
إن هذا التهذيب ضرورة أكثر لرجال الدولة وللسلاطين ولرؤساء الجمهوريات وللدول وللمسؤولين أكثر من الناس العاديين . فلو أن الأفراد العاديين لم يزكوا أنفسهم وطغوا فإن الطغيان يكون محدوداً جداً . فلو أن شخصاً في السوق أو شخصاً في القرية طغى فمن الممكن أن يسبب فساداً في نقطة محددة ، لكن لو كان الطغيان في يد شخص قبله الناس ، ولو حصل في عالِم قبله الناس ، في سلطان ما وقبل الناس ذلك السلطان ، في رؤساء قبلتهم الناس فهذا أحياناً قد يجر بلداً إلى الفساد وأحياناً قد يجر عدداً من البلدان إلى الفساد . فهذا الطغيان يؤدي إلى جر البلاد إلى الفساد والخراب لأن الشخص الذي يمسك بزمام الأمور لم يزكّ نفسه . فقارنوا أنتم بين صدام وشخص عادي ، فمهما طغى الشخص العادي ومهما كان فرعونياً لن يؤثر إلا على أشخاص محددين أو أسرته فيجرهم إلى الفساد ولن يصدر منه غير ذلك ، لكن صدام كما ترون طاغية وطغى وهذا الطغيان يوجب فساد البلد ، أو بلدين وربما المنطقة وإذا كان هذا الطغيان في رؤساء كبار في الدنيا ، إذا طغى رئيس جمهورية أمريكا فإن طغيانه يؤدي إلى فساد الكثير من الدول . فالحروب الكبيرة التي حصلت في الدنيا ، كالحرب العالمية الأولى والثانية ، كانت لأن الطغيان كان في تلك الطبقات العليا . تلك الطبقة العليا التي لم تكن مهذبة طغت وجرت دولًا كبيرة نحو الفساد . فلو أن رئيس الحزب الشيوعي السوفياتي يطغى فإن طغيانه غير محدود بهذه الحدود المعينة ، فطغيانه يجر بلداناً نحو الخراب والفساد .
فالأشخاص المتواجدون في منصب ما ، سواء منصب عادي أو منصب رفيع المستوى ، إذا أرادوا أن يصلحوا البلد ، إذا أرادوا أن يهدأ هذا البلد ، فيجب أن يبدأوا بالهدوء من الأعلى ، ولا يمكن أن
صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 309
مساهمون: السيد الخميني
ص٣٠٩