مفتاح هذه الفوانيس ليرتفع نورها ويشع ، والناس تبدأ بالصلاة على محمد وآل محمّد . ثم يعود أدراجه إلى الأسفل والناس منهمكون في مشاهدة هذه المصابيح ، ثم يعود مرة أخرى إلى الأعلى ويسحب المفتاح إلى أسفل ، ويعود الناس للهتاف مرة أخرى ، لذا فإن هذه القضية طرحت منذ ذلك الحين ، بأننا لا نستطيع حتى أن ندير مفتاح الفانوس بل يجب أن يفعله ذلك الأجنبي ، يجب أن يحضر الأجانب من الخارج ويحركوا أيديهم كي يشعلوا لنا الفانوس ويعلمونا كيف نستخدمه . وللأسف أن هذا اللون من التفكير تفشّى ليشمل كافة شرائح المجتمع ، وقد رأيت في تركيا عندما كنت مبعداً إليها تمثالا لأتاتورك « 1 » ، وقد أدار وجهه نحو الغرب رافعاً يديه وقد قالوا لي هناك : بأن في هذا إشارة إلى أنه علينا الاعتماد على الغرب في كل ما نحتاجه ونفعله على اعتبار أن أتاتورك رجل متنوّر أو من هذا القبيل ، وهناك في بلادنا من يحملون نفس الفكر ويرون أنه علينا أن نكون من قمة رأسنا إلى أخمص قدمينا أوروبيين وإنجليز حتى نستطيع الاستمرار في حياتنا . فلو لم ندرك بأن لنا شخصيتنا المستقلة وأن المسلمين هم طائفة ولهم شخصية وبإمكانهم القيام بالعمل بأنفسهم . وما لم نصح ونريد فلن نستطيع فعل أي شيء .
فقد أبقونا في سبات الغفلة مخدوعين حتى لا نتمكن من القيام بأي عمل صناعي ، ولهذا تجد أمتنا غير قادرة إلا على صناعة ما يشبه الأباريق . فقد استطاع هؤلاء وعبر دعايتهم المنظمة في الداخل والخارج أن يجعلوا الأمة تصدق بأنها غير قادرة على صنع شيء وأنها محتاجة إلى الغرب في كل شيء . وأن الغربيين من عنصر وعرق أسمى . على نفس النحو الذي أدعى فيه هتلر أن العرق الألماني هو العرق الأسمى . وقد كتب بعض كتابنا ، بأن العامل الألماني بعينيه الزرقاويتين والواقف على حافة الطريق حاملًا معوله استعداداً للعمل ، هو أقدر منا على إدارة بلد مثل بلدنا ، إن هذا اللون من التفكير أوصلنا إلى مرحلة من التخلف بتنا معها لا نصدق أنفسنا بأننا قادرون على إنجاز شيء . حتى في تنظيم وتدريب جيشنا علينا الاستعانة بخبراء ومستشارين من أمريكا وأوروبا وأمّا الصناعة ، فلا تحدّث عنها أبداً ، فنحن أمّة تصنع الأباريق . ومن نحن حتى نتحدث عن الصناعة ، فهي حكرٌ على الأمريكان والأوروبيين فقط .
هامش
( 1 ) أول رئيس لتركيا بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية ، تميز بنزعته العلمانية وتأثره الكامل بالغرب ، ولهذا عمل على منع التبليغ الديني ، وحال دون تدخل رجال الدين بالسياسية ، وساق المجتمع التركي نحو العلمانية .