نفسه ، فنفوسنا حجب بيننا وبين وجه الله عزّ وجل ، وإذا ما حطم الإنسان هذا الحجاب وبذله في سبيل الله عز وجل وقدم ما يملك من الحياة في سبيل ذلك ، فإنه يكون بذلك قد حطم مبدأ جميع الحجُب ، وحطم أنانيته ذاته وقدمها في سبيل الله سبحانه وتعالى . فإن جهاده في سبيل الله ودفاعه عن دين الله ودولته ، وبذله وبكل إخلاص لكل ما يملك حتى نفسه ، يُزيل هذا الحجاب ويُمزقه والله سبحانه وتعالى جزاءً لكل هذه التضحيات التي يقدمها الشهداء وبذلهم أغلى ما يملكون وتقديمهم أرواحهم في سبيله ، يتجلى لهم عندما يمزقون هذا الحجاب ، كما يتجلى للأنبياء أيضاً ، لأنهم هم أيضاً نزعوا هذا الحجاب من خلال إرادتهم لكل ما يريده الله عز وجل وتفانيهم في سبيله ، دون أن يروا لذاتهم أو أنفسهم أي وجود في مقابل الحق تعالى « فلما تجلّى ربّه للجبل جعله دكاً » . « 1 » فقد تجلّى الله في جبل طور أو في جبل إنيّة موسى نفسه وخرّ موسى صعقاً على إثر ذلك ، فالأنبياء والأولياء وأمثالهم كانوا يمزقون هذه الحجب التي بينهم وبين الحق تعالى ، وتحصل لهم حالة الصعق والموت الاختياري زمن حياتهم ، فقد كان الله يتجلى لهم وكانوا يدركون هذا التجلي وينظرون إليه بحسب نظرتهم العقلية والباطنية والروحية والعرفانية . والشهيد حسب هذه الرواية يماثل الأنبياء في هذا الأمر ، فعندما يستشهد ويبذل روحه ، يكون بذلك قد قدّم كل ما لديه في سبيل الله عز وجل ، وبالتالي ينال ما ينالونه من اللطف والتجلي الإلهي والنظر إلى وجه الله ، ذلك المقام الذي ليس بعده مقام في سلّم الكمال الإنساني . فالرواية المنقولة في الكافي « 2 » ، جعلت الشهداء في مصاف الأنبياء من حيث النظر إلى وجه الله وتجلي الحق تعالى إليهم ، فالشهيد أيضاً ينظر إلى وجه الله وقد حطّم حجاب نفسه كما حطمه الأنبياء ، ليصل إلى هذا المقام الذي يعتبر آخر مقام يمكن أن يصله الإنسان . ففي هذا بشارة للشهداء بأنهم وحسب أبعادهم الوجودية ، يمكنهم الوصول إلى هذا المقام الأخير والذي يصل إليه الأنبياء .
فضل خدمة الشهيد على سائر الخدمات
إن مؤسسة الشهيد أفضل من سائر المؤسسات ، لأن الشهيد أفضل الأفراد والعمل فيها من أفضل الأعمال ، لأن كلَّه لله والجميع فيها يعملون في سبيل الله ، ولهذا كان لهم فضلهم
هامش
( 1 ) سورة الأعراف ، الآية 143 .
( 2 ) هذه الرواية نقلها صاحب الوسائل عن كتاب التهذيب للشيخ الطوسي ج 6 ، ص 121 ، ح 3 ، ولم تنقل في الكافي .