الأنبياء الذين يربُّون الناس بإلهام الله ، هي تربيات طبيعية . فالطبيب يُعالج أجسامنا ، ويعالج كلّ مرض علاجاً حسناً ، يُعالج المرض الجسمانيّ ، لكنه لا يُعالج الأمراض الروحانية ، لأنها غير مربوطة به ، وما من طبيبٍ له صلة بها ، ولا يستطيع أن يكون ذا صلة بها ، لأنه لا اطلاع له عليها . وكلّما ارتقى العلم الطبيعي أوصل الإنسان إلى ما يحتاج إليه من الأشياء في الطبيعة ، وتلك الورقة التي فوق الطبيعة لا يبلغها علِم من العلوم البشرية . لو فرضنا أنّ الأنظمة البشرية صالحة - ونحن نعلم أنَّ أكثرهم ليس كذلك - فإنها تقودُ الإنسان إلى ما هو في حدود نظرهم . وحيث لا تعرف لا تستطيع أن تتقدّم .
ولهذا نرى الأنظمة غير المتّصلة بالوحي ولا المربوطة بمبدئه لا علاقة لها بالإنسان . أي بتلك الخصائص الباطنة فيه . فالحكومات لا علاقة لها بك كيف تفكّر عند نفسك ، ولا بم تعتقد ، ولا ماذا لديك من الملكات . لا علاقة لها بهذه الأمور اصلًا . كلّ ما لديهم هو أنّ هؤلاء الناس الأسوياء وهذه الحكومات العادلة النظام يحفظون نظام الطبيعة هذا ، فيكون سوقهم منظماً ، وبلادهم منظمة ، يردعون اللصوص ، ويقمعون المُبطلين . هذا كلّ ما يشغل هذه الأنظمة ، ولا يعنيها ما أنتم في منازلكم ، وما تفعلون ، لا علاقة لهم بما في المنزل ، فهم معنيون بأن تحفظا النظام إذا خرجتم من البيوت . أما داخل بيوتكم ، فأنتم ورَبّكم . وليس مِن قانون تتابعُ فيه هذه الأنظمة شؤون الناس الخاصّة .
اختلاف المدارس النبوّية عن المادّية
النظام الوحيد والمدرسة الوحيدة المعنيان بالإنسان قبلَ أن يلتقي أبواه هما ما جاء به الأنبياء . ما من مدرسة في العالم غير مدرسة الأنبياء تدلّك على المرأة التي تختارُها ، وتقترن بها ، وتدلّ المرأة على الرجل الذي ترتضيه . وهذه الدلالة لا صلة لها بتلك الأنظمة ، وهي لا تعنى بهذه الأمور ، فلا شيء في قوانينها أي امرأة تنتخب وايّ رجل ينتخب ، وليس في قوانينها ما تفعل المرأة أيام الحمل ، ولا ما تفعل أيام الرضاعة وأيّام الحضانة ، ولا تبيّن وظيفة الأمّ عندما يكون الطفل في تربية أبيه . ليست هذه الأعمال في القوانين المادّية والطبيعية وأنظمة غير الأنبياء ، ولا هذه القوانين تلتفت إليها . أولئك ينظرون للإنسان عندما يدخل المجتمع فيصدونه عن المفاسد التي يرتكبها ، وهي المفاسد التي تضر النظم العامّ ، أمّا مفاسد الشراب والمجون واللذات ، فلا تعبأ بها ، بل ربّما تنشرها ، لا تهتم بما يصنع الإنسان ، ولا تنظر إليه . فلا فرق بين الإنسان والحيوان عندهم إلا هذا التقدم في الطبيعة . الحيوان لا يستطيع أن يصنع طائرة ، ولا يتمكّن أن يكون طبيباً ، والإنسان يقدر على ذلكِ ، لكن في حدود الطبيعة ، أمّا المعنيّ بكل شيء ، أي : ذاك الذي يرعى الإنسان قبل الزواج ويدُلُّهُ قبل أن يتزوّج أن ينظر أن يأتي من هذا الزواج إنسان سليم ، يجب أن يكون إنساناً كاملًا قبل أن تتزوّجوا . فهو يأمرُ أن تزوّج هذه المرأة ، وتزوّجي هذا الرجل . لماذا يأمُرُهما هذا الأمر ؟ لأنهما كفلاح زارع إذا أراد أن يزرع ينظر إلى الأرض ما نوعُها ، فينتخب الأرض الصالحة ، وينظر للبذر الذي يريد أن يزرعه من أيّ نوع ،
صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 314
مساهمون: السيد الخميني
ص٣١٤