تترقّى ، وكلها دائبة على تنمية الماديات والاستفادة منها لإيجاد نظام مادي محض في هذا العالم . بينما جاء الأنبياء أصلًا لتزكية النفوس الإنسانية وتعليم البشر الكتاب والحكمة وتربيته عليهما وتمكينه من السيطرة على غرائزه . فالإنسان قبل السيطرة على الطِّباع بيد الأنبياء بنحو الإصلاح يريد كل شيء . فهو واحد من موجودات العالم . وحَيْوان كسائر الحيوانات سوى أنّه قابل للتربية . ولا قوّة من قواه محدودة ، فشهوته غير محدودة بنظام يضبطها مثل سائر الحيوانات ، بل أسوأ منها ، وغضب الإنسان غير محدود بنظام يتيح له أن يغضب في هذا الشأن ، ولا يغضب في ذاك ، أجل غير محدود الغضب . والتسلّط على البلدان والجماعات غير محدود أيضاً بنهج يسمح له بغلبة هذا ، ولا يسمح له بغلبة ذاك . إنّه مطلق . ومثلما أنّ شهوة الإنسان غير محدودة ولا حدّ لها لا فرق بين أفراده فيما هو غير محدود من طباعِه وخِصاله ، فحين يغضب ليس لغضبه حدّ ، ولا تمكن السيطرة عليه . فلابد من ناس يستطيعون السيطرة على هذه الطبيعة وبقية الطباع المطلقة غير المحدودة ، وهؤلاء هم الأنبياء - عليهم السلام - الذين جاؤوا ليحدّوا هذه القوى المطلقة العنان بتزكية النفوس وتعليمها الكتاب والحكمة ، وتربيتها تربية إلاهية .
خطر ترك زمام النفس الأمّارة
هذه المقدمة التي عرضتها عليكم كانت لأننا في معرض خطر عظيم أدهى من خطر النظام السابق . وذاك الخطر هو الخلاعة ، فبعدما رأى الإنسان نفسه حرّاً ، ولمس أنّه حطّم أسوار الاستبداد ، وخرج من سجن يضمّ 35 مليونا ، وجد من المناسب أن يعيش طليق العنان يفعل ما يشاء ، أي : على خلاف التعاليم التي جاء بها الأنبياء منذ فجر الخليقة ، ليضبطوا قوى الإنسان ، ويسيطروا على ما لديه من قدرات ، ينظّموا شهواته . ونحن الآن وشعبنا الذي وفّقه الله - تبارك وتعالى - بما بذله من همّة عالية ، وبما أظهر من إيمان عميق ، وغلَّبه على الطاغوت يجب أن نطلق العنان للنفس .
هذا الخطر خطر عظيم يذهب بتعاليم الأنبياء مع الريح ، ويمضي بمشقّات الرسول الأكرم مع الريح ، يُزيل هيبة الإسلام . وهيبة الإسلام الآن مرهونة بأعمالكم يا شعب إيران ، فشعوب العالم كلها متجهة إليكم لترى ما تصنعون . ماذا تفعلون إذ نلتم الحرية ، وخرجتم من الكبت ؟ أو صرتم مطلقي العنان ؟ أما عاد للأفعال حدّ ؟ هل أنتم حرس بأيديكم البنادق ولكم القوّة ، وأنتم أولو القدرة وتطئون البيوت ، وتستولون على أموال الناس . وتهتكون حرماتهم ؟ أو لا ، أنتم أولو تربية إسلامية ذات حدّ وسدّ ، ففي الإسلام ضبط وانضباط ؟ إذا كنتم هكذا ، فإنّه إذا كان أحد معادياً للآخر - وهذا ما يجب عدمه في الإسلام - وإذا كان أحد قتل ابن الآخر ، أعطى الإسلام أبا المقتول حقّاً أنْ يقتصّ من القاتل ، ولا حقّ له غير هذا . وليس من حقه أن يقتص من غير القاتل نفسه وعينه ، فمن قتل ابن القاتل أو أبناءه أو عشيرته ، أو ارتكب القتل العامّ ، فيجب أنْ يقاصّ في الإسلام ، ويُقتل . ليس له حقّ غير القصاص
صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 205
مساهمون: السيد الخميني
ص٢٠٥