كان الشيخ قسم الموجودات إلى ما من شأنه أن يكون عاقلا - وإلى ما ليس من شأنه ذلك - وقسمها أيضا إلى ما من شأنه أن يكون معقولا بذاته - وإلى ما ليس من شأنه ذلك - فأشار إلى أن ما من شأنه أن يكون معقولا بذاته - ليس بحسب القسمة الأولى من القسم - الذي ليس من شأنه أن يكون عاقلا - بل هو من القسم الآخر - أعني مما من شأنه أن يكون عاقلا - وإنما لم يحكم بذلك جزما - لأنه مما لم يبينه بعد وسيأتي بيانه - وأورد الفاضل الشارح شكا - بعد أن ذكر أن ( 141 ) المراد من المادة هاهنا هو المحل - سواء كان محسوسا كخشب السرير أو معقولا كالهيولى - وسواء كان متقوما بالحال كالهيولى - أو مقوما له كالموضوع - وذلك الشك أن المحل ماهية معقولة - لا ينافي تعقلها تعقل الحال فيها - فإن من عقل ثبوت الشكل للخشب فقد عقلهما - فإذن ليست هي بمانعة عن التعقل
هامش
- يمنعنا عن إدراكها .
ويظهر من هذا أن المجردات يعقل ذاتها ويعقل غيرها من المجردات . لان ذواتها معقولة بذاتها وليس لها عائق ومانع ، وكل مجرد عقل وعاقل ومعقول لذاته ، واما النفوس السماوية فهي أيضا تعقل ذواتها إذ لا عائق لها عن ذواتها ، وأما غيرها من المجردات فلعل التعلق الجسماني يمنعها عن ادراكها . والضمير في قوله « بل لعله » يعود إلى العمل وهو الظاهر ، وأما اعادته إلى ما هو برئ من الشوائب وهو المعقول فيوجب أن يكون قوله « بل من جانب ما » مستدركا . إذ يكفى أن يقال : وأما البريء من المادة فهو معقول بذاته ولعله من شأنه أن يعقله أي يعقل ذاته .
ثم هاهنا بحثان : الأول انا إذا تعقلنا جسما من الأجسام فلا يخلو إما أن نتعقل مادته أولا فإن لم نتعقل مادتة فلا يحصل تعقل ذلك الجسم لعدم تعقل جزئه ، وان تعقلنا مادته فالمادة لا تمنع من تعقل المادي .
وجوابه : أن الوجود ثلاثة أقسام : أحدها العوارض للمادة من الصور والاعراض ، وثانيها المتعلق بالمادة لا يتعلق العروض كالجسم وكالنفوس المتعلقة بالمادة ، وثالثها المنقطع الوجود عن المادة كالعقول . والقسم الأول يحتاج في تعقله إلى التجريد عن المادة ، والقسم الثاني لا يحتاج إلى الانتزاع عن المادة لكنه كونه ملحوقا بالشوائب المادة إنما يتعقل بعد تجريده عنها ، وأما القسم الثالث فلا حاجة في تعقله إلى عمل أصلا . -