يفعل كل واحد منها ( 114 ) في الآخر - من حيث ينفعل عن ذلك الآخر - لأن الفعل إن كان متقدما على الانفعال - صار الغالب مغلوبا عن مغلوبه - وإن كان متأخرا عنه صار المغلوب غالبا على غالبه - وإن حصلا معا - كان الشيء الواحد غالبا ومغلوبا معا - عن شيء واحد وكلها محال - فإذن يفعل كل واحد منها بصورته - وينفعل في كيفيته ولا يمكن بالعكس - لأن الانفعال في الصورة - يقتضي الانفعال في الكيفية الصادرة عنها - إذ المعلولات تابعة لعللها - ولا ينعكس بل إنما تكسر الصور - وتنكسر الكيفيات - وهناك تستحيل العناصر في الكيفيات المتضادة - المنبعثة عن تلك الصور - حتى تحصل بينها كيفية متوسطة - تستبرد بالقياس إلى حارها - وتستسخن بالقياس إلى باردها - وكذلك في الرطوبة واليبوسة - ويتشابه الجميع في تلك الكيفية - فتلك الكيفية المتوسطة هي المزاج فقوله - بل استحالت في كيفياتها إشارة إلى حركة الأسطقصات في الكيفيات - لأن الكيفية نفسها لا تتحرك ولا تستحيل بل تتبدل - ومحلها يستحيل فيها - وقوله المتضادة أي المتخالفة - 114 قال الفاضل الشارح لو حمل هذا التضاد على الحقيقي [ 1 ] - الذي يكون بين
هامش
[ 1 ] قوله « قال الفاضل الشارح لو حمل هذا التضاد على الحقيقي » خرج المزاج الثاني كمزاج الذهب الحاصل من امتزاج الزيبق والكبريت عن حد مطلق المزاج لان مزاج الزيبق ليس في غاية البعد عن مزاج الكبريت . لتشابههما وحصولهما عن كليات منكسرة . فلا بد أن يراد بالتضاد التخالف . وهذا حمل الكلام على غير مصطلح المتكلم ضرورة فان المركبات بعضها حار ، وبعضها بارد ، وبعضها رطب ، وبعضها يابس . وكما أن بين نفس السواد والبياض تضادا وغاية خلاف كذلك بين نفس الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، ثم قال : حاصل القول في المزاج إلى بقاء الصور النوعية واستحالة كيفية كل واحدة منها فيكون مبنيا على إثبات الاستحالة في الكيفيات الأربع ، لكن الشيخ لم يبين الاستحالة الا في الحرارة والبرودة بان الماء الحار يصير باردا أو بالعكس ، وأما استحالة النار والأرض في اليبوسة ، واستحالة الهواء والماء في الميعان مع انحفاظ صورها النوعية فلا . والجواب : أن تحليل المركبات يدل على أنها ممتزجة عن العناصر فإنه إذا قطر المركب في القرع والانبيق حصل ارض وماء وهواء وذلك يدل على أنها كانت موجودة فيه ، وأما النار فلا بد منها إذ لا بد من حرارة طابخة للمركب ، وهي حرارة النار . فلما اشتمل المركبات على العناصر ولا شك أنها متشابهة الاجزاء في الكيفية ، ولا يكون كذلك إلا بعد استحالتها في جميع الكيفيات ثبت جميع الاستحالات . م