وأقول وأما وجه تقدم المحيط [ 1 ] على المحاط فقد مر - وسيأتي له بيان آخر - وأما الشك الثاني فليس بوارد أما أولا - فلأنه يقتضي أن يكون محدد جهة الهواء هو النار - ومحدد جهة الماء هو الهواء - وهذا مما لم يقل به قائل - وأما ثانيا فلأن العنصر لا يطلب ما هو الجهة بالطبع - بل يطلب ما هو مكانه الطبيعي في جهة من الجهات - سواء كان مكانه مشتملا على حاق تلك الجهة - كالأرض أو لم يكن كباقي العناصر - ولذلك كانت الجهات بالطبع اثنتين - والأمكنة الطبيعية أكثر - وليس يجب من كون فلك القمر علة المقعرة - الذي هو مكان النار أن يكون علة لتحدد الفوق - فإنا على الأصل المذكور - إذا فرضنا متحركا يحتاز على حيز النار - ويصعد في فلك القمر - نحكم جزما بأنه ذاهب إلى جهة الفوق - ولا نقول إنه ذاهب من جهة الفوق إلى ما يقابله - فإذن ليس فلك القمر هو المحدد لجهة الفوق - وأما قولهم الخفيف المطلق - هو الذي يطلب جهة الفوق على الإطلاق - فليس المراد - أنه يطلب أن يكون فوق جميع الأجسام على الإطلاق - بل
هامش
[ 1 ] قوله « أقول أما وجه تقدم المحيط » هذا جواب للشك الأول وتقريره أن المحيط وان لم يتقدم على المحاط في الوجود الا انه قد مر أنه محتاج اليه في تحديد موضعه فيكون متقدما عليه من حيث تحديد الموضع وسيأتي له بيان آخر في ذيل هذا البحث حيث يبين تقدمه في رتبة الابداع ، وأما الجواب عن الشك الثاني فبنقضين : اجمالي وتفصيلي .
اما النقض الاجمالي فهو انه يقتضى أن يكون محدد جهة الهواء مقعر النار ومحدد الماء الهواء لان الهواء اما أن يطلب مقعر الفلك أو مقعر النار والأول باطل والا لكان بالقسر في موضعه الطبيعي دائما فيتعين الثاني فيكون مقعر النار محدد الجهة الهواء ولا قائل به ، وأما النقض التفصيلي فهو انا لا نسلم أن النار إذا كانت طالبة لمقعر فلك القمر يلزم أن يكون مقعر فلك القمر محددا للجهة غاية ما في الباب أن يكون محددا لمكانها الطبيعي لكن لا يلزم من تحديد المكان تحديد الجهة ، ثم إن الدليل على امتناع كون فلك القمر محددا للجهة اما على الأصل المذكور وهو أن لكل حركة مستقيمة جهة وان الجهتين متمايزتان بالطبع إذا فرضنا متحركا يجتاز حيز النار لم يكن متحركا من جهة الفوق بل إلى جهة الفوق ففلك القمر لا يكون محددا لجهة الفوق فان قلت : النار خفيف مطلق وقد قالوا الخفيف المطلق هو الذي يطلب جهة الفوق فيكون جهة الفوق مقعر فلك القمر . أجاب بان المراد به ليس انه يطلب أن يكون فوق جميع الأجسام بل فوق ساير العناصر ولما كان هذا المكان مما يلي جهة الفوق قيل إنه يطلب جهة الفوق على سبيل الاتساع . ونحن نقول : ما ذكره معارض بانا لو فرضنا متحركا يجتاز الفلك الأعظم فانا نحكم جزما بأنه يتحرك إلى فوق لا من فوق ولو استحال هذا الفرض لعدم الشرط وهو الفضاء كذلك استحال ذلك الفرض لوجود المانع ، والأولى الاستدلال بامتداد الإشارة على ما مضى في الدرس السابق . م