ثم من المحال [ 1 ] أن يتعين وضع الجهة في خلاء - أو ملاء متشابه - فإنه ليس حد من المتشابه أولى - بأن يجعل جهة مخالفة لجهة أخرى من غيره - فيجب إذن أن يقع بشيء خارج عنه - ولا صحة أنه يكون جسما أو جسمانيا - والمحدد الواحد من حيث هو كذلك - فإنما يفترض منه حد واحد - إن افترض وهو ما يليه - وفي كل امتداد يحصل جهتان وهما طرفان - وعلى أن الجهات التي في الطبع فوق وسفل - وهما اثنتان فالتحدد إذن إما أن يقع بجسم واحد - لا من حيث كونه واحدا - وإما أن يقع بجسمين
و
هامش
[ 1 ] قوله « ثم من المحال » قبل الخوض في البرهان لا بد من تمهيد مقدمة وهي ان الجهتين المختلفتين الحقيقيتين جهتان متعينتان بالطبع متقابلتان بالطبع ، اما انهما متعينتان بالطبع فلانا نرى ان الأجسام السفلية بعضها يتحرك إلى الفوق بالطبع كالنار وبعضها إلى السفل كالأرض فلولا ان الفوق والتحت جهتان حقيقيتان متمايزتان بحسب الطبع لما كان بعض الأجسام متوجها إلى أحدهما بالطبع والبعض الاخر إلى الاخر بالطبع ، واما انهما متقابلتان بالطبع فلان الأجسام الطالبة لأحدهما بالطبع هاربة من الاخر بالطبع ، وأيضا أحدهما ما يلي رأس كل أحد بالطبع والاخر ما يلي قدمه بالطبع فهما طرفا الامتداد متقابلان ويلزم من ذلك أن أحدهما إذا كان في غاية القرب من جسم يكون الاخر في غاية البعد عنه بالضرورة إذا تمهد هذه المقدمة
فنقول : لما كان في الموضع خفاء فلا باس ان يشرح كلام الشيخ أولا ثم كلام الشارح ليتحقق الفرق بينهما ولا يعبأ بالتكرار إن وقع اما كلام الشيخ فهو ان تحدد الجهة الحقيقية وتعين وضعها إما أن يكون في خلاء أو ملاء متشابه اى ملاء لا اختلاف فيه أصلا في الواقع ، أو فيما لا يكون خلاء ولا ملاء متشابها والأول باطل إذ ليس حد من الخلاء والملاء المتشابه أولى بان يكون طبيعية من الحد الاخر ضرورة تشابه حدود الخلاء والملاء المتشابه فيجب ان يقع تحدد الجهة بشيء خارج عن الخلاء والملاء المتشابه ولا محالة يكون جسما أو جسمانيا لان الجهة ذات وضع وتعين ذات الوضع لا يكون الا بذى الوضع ، وايا ما كان فتحدد الجهة انما يكون بجسم ، وهو اما ان يكون جسما واحدا من حيث إنه واحد أو لا يكون جسما واحدا من حيث إنه واحد ، لا سبيل إلى الأول لان لكل امتداد طرفين هما جهتان بل الجهات الحقيقية اثنتان والجسم الواحد من حيث إنه واحد ان كان محدد الجهة لم يتحدد به من حيث هو كذلك الا جهة واحدة والمطلوب تحدد الجهتين فالتحدد إذن لا يكون بجسم واحد من حيث إنه واحد وذلك اما بان لا يكون جسما واحدا بل جسمين أو يكون جسما واحدا لا من حيث إنه واحد لا جايز أن يكون التحدد بجسمين فإنه لو تحدد الجهتان بجسمين فاما ان يكون أحدهما محيطا بالاخر أو يكونان متباينين وهما باطلان :
اما الأول فلان الجهتين لو تحددتا بجسمين أحدهما محيط بالاخر حتى يكون تحدد إحدى الجهتين بالمحيط والأخرى بالمحاط كان المحاط لا محالة كالمركز لان الجهة الأخرى في غاية البعد عن الجهة الأولى والذي هو في غاية البعد من المحيط ليس الا في المركز فحينئذ يكفى الجسم المحيط في التحديد حتى يكون تحدد إحدى الجهتين وهي غاية القرب بسطحه والجهة الأخرى وهي غاية البعد بمركزه فيكون الجسم المحاط واقعا في التحديد بالعرض حتى لو فرض المحاط بحيث لا يكون في المركز لم يقدح في تحديد جهة البعد واليه أشار بقوله « سواء كان حشوه أو خارجا عنه » فان الضمير في حشوه يستحيل ان يعود إلى المحيط لاستحالة ان يكون المركز خارجا عن المحيط بل إلى المحاط اي يتحدد جهة البعد بمركز الجسم المحيط سواء فرض المركز في حشو المحاط أو خارجا عن المحاط -