فذكرنا أباه قال :
« كِانَ عَقلُهُ لايُوازِن بِهِ العُقُول ، وَرَبَّما شَاورَ الأسوَدَ مِن سُدانِهِ ، فَقيَل لَهُ : تُشاوُر مِثلَ هَذا ؟ فَقالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعالى رُبَّمَا فَتَحَ عَلَى لِسَانِه » « 1 » .
والملفت للنظر أنّ الغرض من المشورة ، مضافاً إلى ما تقدّم بيانه من التأكيد البالغ على الاستشارة ، أنّ المستشار يفكر في المسألة بنزاهة وبفكر خالص في ذلك الموضوع في حين أنّ صاحب المشكلة الذي يفكر بمنافعه ، فإنّ فكره مشوب بالأهواء والمنافع الذاتية :
« إنّما حُضَّ عَلى المُشاوَرةِ لأنَّ رَأى المُشيرِ صَرفٌ وَرَأى المُستَشِيرِ مَشُوبٌ بِالهَوى » « 2 » .
كما ورد في كلام الإمام علي عليه السلام في هذا العهد : لا يصح استشارة أيّا كان ، فالمستشار يجب أن يكون فرداً عاقلًا ومؤمناً لا يريد إلّاالخير لصاحبه ، ولذلك نقرأ في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام :
« إنّ المشورة لا تكون إلّابحدودها ، فمن عَرَفَها بِحُدُودِها وَإِلّا كَاتْ مَضَرَّتَها عَلى المُستَشِير أَكثَرَ مِن مَنفَعَتِها لَهُ :
أَوَّلُها : أَنْ يَكونَ الّذِي يُشاوُره عَاقِلًا .
وَالّثانِية : أَنْ يَكونَ حُرّاً مُتديّناً .
الثّالُثة : أَنْ يَكونَ صَديقاً مُؤاخياً .
الرّابعة : أَنْ تُطلِعَهُ عَلى سِرِّكَ فَيَكُونَ عِلمُهُ بِهِ كَعِلمِكَ بِنَفسِك ، ثُمَّ يَستر ذَلِكَ وَيَكتُمُهُ ، فانَّهُ إِذا كَانَ عَاقِلًا انتَفعَت بِمشوَرتِهِ ، وإِذا كَانَ حُرّاً مُتديّناً جَهَدَ بِنَفسِهِ فِي النّصِيحَةِ لَكَ ، وَإِذا كَانَ صَديِقاً مُواخياً كَتَمَ سِرَّكَ » .
وقال في ختام كلامه عليه السلام :
« إِذا أطلَعتَهُ عَلَيهِ ، وَإِذا أطلَعتَهُ عَلى سِرِّكَ كَانَ عِلمُهُ بِهُ كَعِلمِك ، وَتَمَّتْ المَشورَةُ وَكَمُلتْ النَّصِيحَةُ » « 3 » .
وفي عالمنا المعاصر أضحت المشورة والشورى أوسع بكثير من السابق ،
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 72 ، ص 101 ، ح 25 .
( 2 ) . غرر الحكم ، ح 10049 .
( 3 ) . بحار الأنوار ، ج 72 ، ص 102 ، ح 30 .