ثمّ إنّ الإمام عليه السلام في المقطع الثالث من كلامه يخاطب المتخلفين بلغة التهديد ليقرن البشارة مع الإنذار ويقول :
« فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا لِي عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِمَّنِ اعْوَجَّ « 1 » مِنْكُمْ ، ثُمَّ أُعْظِمُ لَهُ الْعُقُوبَةَ ، وَلَا يَجِدُ عِنْدِي فِيهَا رُخْصَةً » .
وفي الواقع أنّ الإمام عليه السلام في هذا المورد يقرر عقوبتين للمتخلفين ، عقوبة معنويّة وعقوبة ظاهرية ، أمّا العقوبة المعنويّة فسقوط قدرهم ومقامهم عند الإمام عليه السلام إلى درجة الحضيض ، وأمّا العقوبة الظاهريّة فهي التعزير البدني الذي يقرره الإمام بحقهم ، ومعلوم أنّ البشارة والإنذار لو لم يقترنا في أمر الإدارة والمسؤوليّة وخاصّة في إدارة الحرب والدفاع ، فإنّها ستفقد مصداقيتها وفائدتها في ضبط الأمور .
وفي الختام يشير الإمام عليه السلام إشارة مختصرة ودقيقة فيما يتصل بما ذكر آنفاً ويقول :
« فَخُذُوا هَذَا مِنْ أُمَرَائِكُمْ ، وَأَعْطُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ مَا يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ أَمْرَكُمْ .
وَالسَّلَامُ » .
وجملة
« فَخُذُوا هَذَا مِنْ أُمَرَائِكُمْ »
إشارة إلى الحقوق الخمسة التي بيّنها الإمام عليه السلام في مستهل كلامه أنّه يعطيهم الحقّ بأن يطالبوا هذه الحقوق من قادتهم وأمرائهم ، وجملة
« أَعْطُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ . . »
، إشارة إلى الحقوق الأربعة التي طالب بها الإمام عليه السلام منهم ، وهي الحقوق التي تصب في صالحهم ومن أجل إصلاح أمورهم .
ونرى أنّ الإمام عليه السلام في هذا المورد يستخدم كلمة « امراء » بصيغة الجمع ، ويشير بذلك إلى نفسه والقادة أو الأئمّة الذين سيأتون بعده بالحق ، ويستلمون زمان الأمور بالحقّ ، لا أنّ المراد قادة الجيش ، لأنّهم هم المخاطبين بهذا الكلام .
* * *
هامش
( 1 ) . « أعوجّ » من مادة « عَوج » على وزن « حرج » وتعني انحراف الشيء وميلانه و « عِوج » بكسر العين ، اسم مصدر وتشمل كلّ أشكال الانحراف والاعوجاج ، وتطلق أحياناً بمعنى الانحرافات المعنويّة والعمليّة وجاءت في العبارة أعلاه بهذا المعنى .