وفي المقطع الثاني يتعرض الإمام عليه السلام لمسألة خطيرة وهي حالة الحرص لدى أصحاب الدنيا ويقول :
« وَلَمْ يُصِبْ صَاحِبُهَا مِنْهَا شَيْئاً إِلَّا فَتَحَتْ لَهُ حِرْصاً عَلَيْهَا ، وَلَهَجاً « 1 » بِهَا ، وَلَنْ يَسْتَغْنِيَ صَاحِبُهَا بِمَا نَالَ فِيهَا عَمَّا لَمْ يَبْلُغْهُ مِنْهَا » .
وقد ورد في بعض الروايات تشبيه الدنيا بماء البحر المالح ، الذي كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشاً ، وهذا ما ورد في حديث عن الإمام الكاظم عليه السلام يقول :
« مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ مَاءِ الْبَحْرِ كُلَّمَا شَرِبَ مِنْهُ الْعَطْشَانُ ازْدَادَ عَطَشاً حَتَّى يَقْتُلَهُ » « 2 » .
ويتحدّث القرآن الكريم عن هذه الحالة ضمن قصّة بليغة تتلخص في أخوين متخاصمين جاءا إلى النّبي داود عليه السلام فقال أحدهما « إِنَّ هذا أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِىَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنيها وَعَزَّنى فِى الْخِطابِ » « 3 » .
فحكم داود عليه السلام بينهما وقال : « قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ . . . » « 4 » .
هذه القصّة تشير إلى أنّ أصحاب الدنيا يعيشون الحرص والولع إلى درجة إلى أنّهم لا يرضون للآخرين أنيتملكوا أدنى شيء حتى لو كانوا إخوتهم . وكما يقولالشاعر :
زيادَةُ المرءِ في دُنياهُ نُقصانُ * وَرِبحهُ غير محض الخيرِ خُسرانُ
وَكُلُّ وجدانِ خطِّ لانبات لهَ * فإنّ مَعناهُ في التّحقيقِ فُقدانُ
ياعامراً لِخرابِ الدّهرِ مُجتهداً * باللَّهِ هلْ لِخرابِ العُمرِ عمرانُ
ياخادمَ الجِسمِ كَمْ تَسعى لِخدمتِهِ * فأنتَ بِالنّفسِ لا بِالجسمِ إنسانُ
وُذو القناعةِ راضٍ في معيشتِهِ * وَصاحبَ الحرصِ إن أثرى فغضبانُ
هما رضيعا لبانٍ حكمةٍ وتُقى * وَساكنا وطنٍ مالٍ وطغيانُ
هامش
( 1 ) . « لهج » بمعنى العلاقة الشديدة والافتتان في مقابل شيء .
( 2 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 136 ، ح 24 .
( 3 ) . سورة ص ، الآية 23 .
( 4 ) . سورة ص ، الآية 24 .