فدخل القصر ، فصاح به الأشتر اخرج من قصرنا لا امّ لك أخرج اللَّه نفسك ، فواللَّه أنّك لمن المنافقين قديماً ، قال : أجّلني هذه العشية . قال : هي لك ولا تبيتنّ في القصر الليلة ، ودخل الناس ينتهبون متاع أبي موسى ، فمنعهم الأشتر وأخرجهم من القصر ، وقال : إنّي قد أخرجته فكّف الناس عنه » « 1 » .
وكذلك ورد في كتب التاريخ : عندما وصل الإمام علي عليه السلام في مسيره إلى صفين ، إلى أرض الرقة ، فكان لابدّ لهم من عبور النهر ، ولكن الناس لم ينصبوا الجسر للإمام عليه السلام وجيشه ، ( وكأنّهم كانوا يرتبطون بعلاقة خاصّة بمعاوية ) فعزم الإمام أن يعبر النهر من جسر منبج « 2 » ( هو بعيد عن هذا المكان ) فقال الأشتر لأهالي تلك المنطقة : اقسم باللَّه إذا لم يعبر أمير المؤمنين هذا الجسر ولم تحضروا له جسراً ليمر عليه فاعاقبكم بسيفي هذا وأقتل رجالكم واخرب دياركم وآخذ أموالكم ، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا : هذا الأشتر فهو يفي بقسمه قوموا واحضروا الجسر ، فلما أحضروا الجسر وهيئوه عبر جيش الإمام أجمعه عليه ، وكان الأشتر آخر نفر عبر عليه .
على أية حال فالإمام عليه السلام بعد هذه العبارات الهادفة والدقيقة يطرح على مالك الأشتر دساتير وتوصيات مهمّة في مجال التعامل مع الناس ، بداية يقول :
« فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَى مَا أَهَمَّكَ » .
وهذه إشارة إلى أنّ الأصل والأساس في كسب النجاح والتوفيق في إدارة البلاد وتدبير أموره هو الاستعانة بالذات المقدّسة وطلب المعونة والتسديد منه .
وفي التوصية الثانية يقول :
« وَاخْلِطِ الشِّدَّةَ بِضِغْثٍ « 3 » مِنَ اللِّينِ » .
وهو إشارة إلى أنّ أمر الحكومة وتدبير الولاية وإجراء البرامج الاجتماعيّة لا
هامش
( 1 ) . تاريخ الطبري ، ج 3 ، ص 501 ، حوادث سنة 36 .
( 2 ) . « منبج » على وزن « مجلس » اسم مدينة من مدن الشام .
( 3 ) . « ضغث » على وزن « حرص » تعني قبضة من الأعواد الرفيعة مثل سيقان الحنطة والشعير أو محمل التمر في النخلة ، ويأتي بمعنى حزمة من حطب أو نبات الجاف أيضاً ، وأحياناً تطلق على المنامات المضطربة ، وهنا وردت بمعنى مجموعة من عوامل اللين .