التلذذ بالأطعمة والمأكولات اللذيذة والحضور في هذه الموائد الفخمة ، أو أنّ هذا العمل حلال في نفسه ؟ وهل هناك تقاطع بين الزهد الإسلامي والاستفادة من النعم الإلهيّة الدنيويّة ؟ الكلام في هذا المجال متشعب ومفصّل ، ولكن يمكن تقديم عصارة لمثل هذا الموضوع فنقول :
وردت روايات كثيرة في تشويق المسلم للزهد في الدنيا منها :
« الزَّهادَةُ فِي الدُّنيَا لَيسَتْ بِتَحرِيمِ الحَلالِ وَلا إِزالَةِ المَالِ وَلَكنّ الزَّهادَةَ فِي الدُّنيَا أنْ لا تَكُونَ بِمَا فِي يَدِيكَ أَوثَقُ مِمَّا فِي يَدِ اللَّهِ » « 1 » .
وجاء في حديث آخر عن أمير المؤمنين علي عليه السلام يقول :
« الزَّهَادَةُ قِصَرُ الْأَمَلِ وَالشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ وَالتَّوَرُّعُ عِنْدَ الْمَحَارِم » « 2 » .
وجاء في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال :
« ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ لَايُحَاسِبُ اللَّهُ عَلَيْهَا الْمُؤْمِنَ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ وَثَوْبٌ يَلْبَسُهُ وَزَوْجَةٌ صَالِحَةٌ تُعَاوِنُهُ وَتُحْصِنُ فَرْجَهُ » « 3 » .
ويتبيّن من هذه الرواية الشريفة أنّ الانتفاع من هذه المواهب لا يتنافى مع الزهد أبداً ، وكذلك ما ورد من الآيات الروايات في هذا الباب ممّا يستدعي استعراضها وبيانها لتأليف كتاب مستقل عنها .
ولكن في مقابل هذه النصوص هناك روايات أخرى تدعو الإنسان إلى ترك لذات الدنيا وتمدح ترك التلذذ والتنعم بالمواهب الإلهيّة الكثيرة ، منها :
ما ورد في حديث معروف عن الإمام علي عليه السلام قاله ليلة استشهاده بعد أن تناول فطوره المكوّن من خبز وملح وترك ما سواهما ، قال مخاطباً ابنته :
« يَا بُنَيَّة مَا مِنْ رَجُلٍ طَابَ مَطْعَمُهُ وَمَشْرَبُهُ وَمَلْبَسُهُ إِلَّا طَالَ وُقُوفُهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » « 4 » .
هامش
( 1 ) . ورد هذا الكلام عن النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله في سنن الترمذي ، ص 2443 . وكذلك ورد هذا الحديث في وسائل الشيعة ج 11 ، ص 315 ، ح 13 باب استحباب الزهد في الدنيا وحد الزهد عن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً .
( 2 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 81 .
( 3 ) . بحار الأنوار ، ج 79 ، ص 299 .
( 4 ) . المصدر السابق ، ج 42 ، ص 276 .