تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
التلذذ بالأطعمة والمأكولات اللذيذة والحضور في هذه الموائد الفخمة ، أو أنّ هذا العمل حلال في نفسه ؟ وهل هناك تقاطع بين الزهد الإسلامي والاستفادة من النعم الإلهيّة الدنيويّة ؟ الكلام في هذا المجال متشعب ومفصّل ، ولكن يمكن تقديم عصارة لمثل هذا الموضوع فنقول : وردت روايات كثيرة في تشويق المسلم للزهد في الدنيا منها : « الزَّهادَةُ فِي الدُّنيَا لَيسَتْ بِتَحرِيمِ الحَلالِ وَلا إِزالَةِ المَالِ وَلَكنّ الزَّهادَةَ فِي الدُّنيَا أنْ لا تَكُونَ بِمَا فِي يَدِيكَ أَوثَقُ مِمَّا فِي يَدِ اللَّهِ » « 1 » . وجاء في حديث آخر عن أمير المؤمنين علي عليه السلام يقول : « الزَّهَادَةُ قِصَرُ الْأَمَلِ وَالشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ وَالتَّوَرُّعُ عِنْدَ الْمَحَارِم » « 2 » . وجاء في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ لَايُحَاسِبُ اللَّهُ عَلَيْهَا الْمُؤْمِنَ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ وَثَوْبٌ يَلْبَسُهُ وَزَوْجَةٌ صَالِحَةٌ تُعَاوِنُهُ وَتُحْصِنُ فَرْجَهُ » « 3 » . ويتبيّن من هذه الرواية الشريفة أنّ الانتفاع من هذه المواهب لا يتنافى مع الزهد أبداً ، وكذلك ما ورد من الآيات الروايات في هذا الباب ممّا يستدعي استعراضها وبيانها لتأليف كتاب مستقل عنها . ولكن في مقابل هذه النصوص هناك روايات أخرى تدعو الإنسان إلى ترك لذات الدنيا وتمدح ترك التلذذ والتنعم بالمواهب الإلهيّة الكثيرة ، منها : ما ورد في حديث معروف عن الإمام علي عليه السلام قاله ليلة استشهاده بعد أن تناول فطوره المكوّن من خبز وملح وترك ما سواهما ، قال مخاطباً ابنته : « يَا بُنَيَّة مَا مِنْ رَجُلٍ طَابَ مَطْعَمُهُ وَمَشْرَبُهُ وَمَلْبَسُهُ إِلَّا طَالَ وُقُوفُهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » « 4 » .
هامش
( 1 ) . ورد هذا الكلام عن النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله في سنن الترمذي ، ص 2443 . وكذلك ورد هذا الحديث في وسائل الشيعة ج 11 ، ص 315 ، ح 13 باب استحباب الزهد في الدنيا وحد الزهد عن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً . ( 2 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 81 . ( 3 ) . بحار الأنوار ، ج 79 ، ص 299 . ( 4 ) . المصدر السابق ، ج 42 ، ص 276 .
نفحات الولاية — صفحة 187 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي