الْقَزِّ « 1 » . وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي « 2 » إِلَى تَخَيُّرِ الْأَطْعِمَةِ - وَلَعَلَّ
بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لَاطَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ ، وَلَا عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ - » .
وكما أشرنا آنفاً ، فالإمام عليه السلام في هذا المقطع يشير إلى الوظيفة الثقيلة للولاة والمسؤولين في البلاد الإسلاميّة وأنّهم لا ينبغي أن يطمعوا في الأطعمة اللذيذة والملابس الفاخرة ويتحركوا على مستوى التكالب على حطام الدنيا في حين أنّهم يحتملون أو يعلمون بوجود أشخاص جياع وعرات في شتى أصقاع البلاد الإسلاميّة .
ثمّ يشير الإمام عليه السلام إلى الأبعاد العاطفيّة ، وهذا في الحقيقة يمثّل بُعداً ثالثاً لهذه الموضوع ، ويقول :
« أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً « 3 » وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى « 4 » ، وَأَكْبَادٌ حَرَّى « 5 » ، أَوْ أَكُونَ
كَمَا قَالَ الْقَائِلُ :
وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ « 6 » * وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ « 7 » إِلَى الْقِدِّ ! « 8 » »
جملة
« وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ ! »
فسّرها غالبية شرّاح نهج البلاغة كما أوردناها آنفاً ، وقالوا : إنّ الناس في سنوات القحط والمجاعة يصل بهم لأمر من الجوع أحياناً أن يأكلوا الجلود غير المدبوغة للحيوانات ، وهذه الجملة إشارة إلى هذا المعنى ، وذهب بعضهم إلى أنّ المراد من
« تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ ! »
إشارة إلى المثل
هامش
( 1 ) . « القزّ » بمعنى الحرير .
( 2 ) . « جشع » بمعنى الحرص والطمع ، وتأتي أحياناً بمعنى الحرص الشديد .
( 3 ) . « مبطان » هو الشخص الذي إمتلأت بطنه من الطعام ، من مادة « بطن » وهذه المفردة صيغة مبالغة .
( 4 ) . « غرثى » تعني الجوعان ( وصيغة المفرد المؤنثة وجاء صفة للبطون ) .
( 5 ) . « حرّى » بمعنى العطشان من مادة « حرارة » .
( 6 ) . « بطنة » كثرة الأكل ( من مادة « بطن » ) .
( 7 ) . « تحنّ » من مادة « حنين » بمعنى التمايل والاستعطاف لإلفات النظر .
( 8 ) . « قدّ » تعني الجلد أو ما يشبه القربة التي التوضع فيها السوائل ، وتطلق أحياناً على قطعات اللحم الجاف التي توضع في القربة ، ويقال عنها « قدّ » ، وهذا الشعر لحاتم الطائي صاحب الكرم المعروف لدى العرب ( شرح نهجالبلاغة لابن أبي الحديد ، ج 16 ، ص 288 ) .