واعتماد الفرد على قبيلته يساهم بشكل أساس في التغلّب على المشاكل والأزمات التي تواجه العرب في عصر الجاهلية ، وطبعاً مع فارق أنّ العرب في عصر الجاهلية كانوا يدافعون عن القبيلة ، والقبيلة تدافع عن أفرادها بدون النظر إلى مسألة الحقّ والباطل ، والعدل والظلم ، أي بدون قيد أو شرط ، ولكن في الإسلام أضحى هذا الدفاع المتقابل بين الفرد وقبيلته محدوداً بحدود الحقّ والعدالة ، فالدفاع عن الباطل أضحى مرفوضاً حتّى في مقابل الأخ والام والأخت وأمثالهم .
وفي القسم الرابع من الخطبة 32 وفي الجزء الثاني من هذا الكتاب ثمّة بحث متعمّق في هذا المجال .
ويورد ابن أبيالحديد بعض النماذج من دفاع القبيلة عن أفرادها المظلومين ويبيّن أنّ هذه الحماية كانت مؤثّرة كثيراً ، ومن ذلك أنّ الفرزدق كان لا ينشد بين يدي الخلفاء والامراء إلّاقاعداً ، فدخل على سليمان بن عبد الملك يوماً ، فأنشده فخراً به وبآبائه ، وقال من جملته :
تاللَّهِ ما حمَلتْ مِن ناقةٍ رَجُلًا * مِثلي إذا ريح لفّتني على الكوري
فقال سليمان : هذا المدح لي أم لك ؟ قال : لي ولك ياأميرالمؤمنين . فغضب سليمان وقال : قم فأكمل ولا تنشد بعده إلّاقائماً ، فقال الفرزدق : لا واللَّه أو يسقط على الأرض أكثري شعراً ، فقال سليمان : ويلي على الأحمق ابن الفاعلة ، لا يكنّي ، وارتفع صوته ، فسمع ضوضاء بالباب ، فقال سليمان : ما هذا ؟ قيل : بنو تميم على الباب ، قالوا : لاينشد الفرزدق قائماً وأيدينا في مقابض سيوفنا ، قال : فلينشد قاعداً « 1 » .
* * *
هامش
( 1 ) . شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد ، ج 16 ، ص 128 .