القسم الرابع عشر
يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَحَالِهَا ، وَزَوَالِهَا وَانْتِقَالِهَا ، وَأَنْبَأْتُكَ عَنِ الْآخِرَةِ وَمَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا فِيهَا ، وَضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا الْأَمْثَالَ ، لِتَعْتَبِرَ بِهَا وَتَحْذُوَ عَلَيْهَا . إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ ، فَأَمُّوا مَنْزِلًا خَصِيباً وَجَنَاباً مَرِيعاً ، فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ ، وَفِرَاقَ الصَّدِيقِ ، وَخُشُونَةَ السَّفَرِ ، وَجُشُوبَةَ المَطْعَمِ ، لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ ، وَمَنْزِلَ قَرَارِهِمْ ، فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً ، وَلَا يَرَوْنَ نَفَقَةً فِيهِ مَغْرَماً . وَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ ، وَأَدْنَاهُمْ مِنْ مَحَلَّتِهِمْ . وَمَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلٍ خَصِيبٍ ، فَنَبَا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدِيبٍ ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ وَلَا أَفْظَعَ عِنْدَهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ ، إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ ، وَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ .
الشرح والتفسير : السالكون طريق الآخرة
ينطلق الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الوصيّة لبيان مكانة الدنيا والآخرة في منظار المتألّهين من خلال مثالين جميلين ، ويقول : « يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَحَالِهَا ، وَزَوَالِهَا وَانْتِقَالِهَا ، وَأَنْبَأْتُكَ عَنِ الْآخِرَةِ وَمَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا فِيهَا ، وَضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا الْأَمْثَالَ ، لِتَعْتَبِرَ بِهَا ، وَتَحْذُوَ عَلَيْهَا » .
إنّ للأمثلة دور مهم جدّاً في فهم وإدراك المسائل المعقّدة والمفاهيم الغامضة سواء العقلية منها أو الحسّية ، فيستطيع المخاطب من خلال المثال فهم هذه المسائل